كمال زاخر
كان المجلس الملي هو الجهة المخول لها وضع اللوائح المنظمة لإدارة الشئون الكنسية التنظيمية وفق مرسوم انشائه، ومن ثم كان هو من تبنى اعداد وتقديم لائحة 38 للأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، وهو نفس الجهة التي تبنت تقديم تعديلات 2008 على تلك اللائحة، والتي اعتمدها وأقرها وقدمها قداسة البابا شنودة الثالث بصفته رئيساً للمجلس الملي. ونشرها بهذه الصفة في الجريدة الرسمية للدولة (الوقائع المصرية). 
 
وقد تضمنت لائحة 38 في صياغتها الأساسية تسعة أسباب للطلاق، وردت فى الفصل الأول (في أسباب الطلاق) من الباب الثاني (في الطلاق) هي نصاً:
 
المادة 50 : يجوز لكل من الزوجين أن يطلب التطليق بسبب زنا الزوج الآخر.
 
المادة 51: اذا خرج أحد الزوجين عن الدين المسيحي وأنقطع الأمل من رجوعه إليه جاز الطلاق بناء على طلب الزوج الآخر.
المادة 52 : إذا غاب أحد الزوجين خمس سنوات متوالية بحيث لا يعلم مقره ولا تعلم حياته من وفاته وصدر حكم بإثبات غيبته جاز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق.
 
المادة 53 : الحكم على أحد الزوجين بعقوبة الأشغال الشاقة أو السجن أو الحبس لمدة سبع سنوات فأكثر يسوغ للزوج الآخر طلب الطلاق.
المادة 54 : إذا أصيب أحد الزوجين بجنون مطبق أو بمرض معدٍ يخشى منه على سلامة الآخر يجوز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق إذا كان قد مضى ثلاث سنوات على الجنون أو المرض وثبت أنه غير قابل للشفاء.
 
ويجوز أيضاً للزوجة أن تطلب الطلاق لإصابة زوجها بمرض العنة إذا مضى على إصابته به ثلاث سنوات وثبت أنه غير قابل للشفاء وكانت الزوجة في سن يخشى فيه عليها من الفتنة.
 
المادة 55 : إذا اعتدى أحد الزوجين على حياة الآخر أو اعتاد إيذاءه إيذاءً جسيما يعرض صحته للخطر جاز للزوج المجني عليه أن يطلب الطلاق.
المادة 56 : إذا ساء سلوك أحد الزوجين وفسد أخلاقه وانغمس في حمأة الرذيلة ولم يجد في إصلاحه توبيخ الرئيس الديني ونصائحه فللزوج الآخر أن يطلب الطلاق.
 
المادة 57 : يجوز أيضاً طلب الطلاق إذا أساء أحد الزوجين معاشرة الآخر أو أخل بواجباته نحوه إخلالاً جسيماً مما أدى إلى استحكام النفور بينهما وانتهى الأمر بافتراقهما عن بعضهما واستمرت الفرقة ثلاث سنوات متوالية.
 
المادة 58 : كذلك يجوز الطلاق إذا ترهبن الزوجان أو ترهبن أحدهما برضاء الآخر.
 
فيما اختزلت تعديلات 2008 الأسباب في سببين حصراً، هم علة الزنا وتغيير الدين.
 
وانقسم القضاء في التعامل مع تباين الأسباب، فمنه من أخذ بأسباب لائحة 38 ومنه من أقتصرها على تعديلات 2008، وانعكس هذا على أزمة تداعيات الطلاق، استناداً إلى أسباب 38، والتي لا تعترف بها الكنيسة، ومن ثم لا تعطي للطرف المتضرر تصريحاً بزواج ثان، الأمر الذي دفع البعض إلى طرق احتيالية بتغيير الطائفة (الملة) التي عقد في ظلها عقد الزواج، فيحصل على الطلاق وفقاً للشريعة الإسلامية لإختلاف ملتي طرفي عقد الزواج، لكن في كل الأحوال تبقى مشكلة عدم الحصول على تصريح زواج ثاني.
 
وتتفاقم الأزمة بلجوء احد الإطراف إلى تغيير الدين، وما يترتب علية من تداعيات مجتمعية، منها اختفاء بعض السيدات، والتي تطرق ابواب الفتنة الطائفية بعنف، وتعرض السلام الإجتماعي للخطر.
 
والسؤال هل خالفت لائحة 38 الأساسية الشريعة المسيحية والإنجيل بما اتاحته من أسباب للطلاق؟.
 
في تقديري أنها جاءت مستوعبة لمنهج السيد المسيح في معالجة الإشكاليات الكبري، فيما يمكن توصيفه بمنهج "تجفيف المنابع"، وهو ما يطرحه علينا الفصل الخامس من إنجيل متى، والذي اورد فيه ما قاله السيد المسيح عن الطلاق، ويطرح فيه عديد من القضايا: بدأها بالقول (سمعتم انه قيل... أما أنا فأقول ...) وقدم علاجاً لكل قضية لعل ابرزهما القتل والزنا، ففي الأولى اشار إلى معالجة الغضب فلا تصل الأمور الى القتل، وفي الثانية اشار الى معالجة شهوة النظر فلا يذهب إلى الزنا.
 
وهو عين قناعات لائحة 38، فيما ذهبت إليه من أسباب تبيح حال توافرها إقرار الطلاق، فماذا نتوقع مع استحالة العشرة أو الغياب وانقطاع الأمل في العثور على المختفي لسنوات هذا عددها، أو في سوء سلوك وفساد اخلاق أحد الطرفين رغم محاولات اصلاحه المتعددة، أو اصابته بجنون لا يرجى شفائه، وهي أسباب تقود الطرف المتضرر للوقوع في واحدة من أربع نتائج، إما اتجاهه للزنا الفعلي أو قتله للطرف الأخر أو الانتحار أو الخروج من الدين بجملته، ألا يذكرنا هذا بقول السيد المسيح معنفاً "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا." والمشابهة هنا التمسك بقراءة منفردة لظاهر نص حتى لو انتج انهياراً وخراباً للأسرة.
 
ولن نخوض في الخلفيات الفكرية التي انتهت بنا إلى تعديلات اللائحة، والتي يدافع عنها ويتبناها من لم يختبر الحياة الزوجية، ولم ينتبه لمحوري التعليم والرعاية، واستبعد تحليلات ورؤى الأطراف ذات الصلة بقضايا الأحوال الشخصية، سواء من المتضررين أو فقهاء القانون أو الخبراء المتخصصون.
اللافت ان هؤلاء الذين يتبنون ويدافعون عن تلك التعديلات هم من يتصدرون مشهد صياغة مشروع القانون الذي قدم لوزارة العدل، والتي وافقت عليه وأحالته مؤخراً للبرلمان لإقراره توطئة لسنه كتشريع، محاطاً بسياجات منيعة من السرية، الأمر الذي شاعت معه تسريبات عنه لا نعرف مدي مصداقيتها، دون أن تتيح الفرصة للمختصين وذوي الصلة بمناقشة مشروع القانون، فهل يتدارك البرلمان هذا الخلل ويطرح مشروع القانون للنقاش المجتمعي، أو على الأقل يدعو المخاطبين به إلى جلسات استماع داخل أروقته؟.
رابط الجزء الأول