حلمى النمنم

ميز الأديب الفلسطينى الكبير «غسان كنفانى» فى قصة قصيرة له بين زمنين، زمن الحرب وزمن الاشتباك، الأصعب لدى كنفانى فى قصته التى نشرت فى مارس سنة 1967، هو زمن الاشتباك، حيث يعيش الفرد والمجتمع صراعًا ويواجه تحديات فى كل لحظة وعلى كل شىء، حتى لو بدا بسيطًا وصغيرًا، بتعبير كنفانى يحيا الإنسان «بين طلقتين» أو «على بعد طلقة»، أما لحظة الحرب فقد يكون بها لحظة التقاط أنفاس أو هدنة.

 

ويبدو أن منطقتنا ومجتمعاتنا، تتحرك بين اللحظتين أو الزمنين، لحظة حرب تطول أو تقصر ولحظة الاشتباك التى يبدو أنه مقدرًا لنا الاستمرار فيها والتعايش معها. الاشتباك أحد مضاعفات ونتائج الحرب وغالبًا يكون تمهيدًا لجولة أخرى منها، وهكذا دواليك.

 

الحرب الأخيرة التى شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران وكذا حرب إيران ضد دول الخليج مجتمعة والأردن، كشفت أن الاشتباك قائم طوال الوقت فى انتظار لحظة الانفجار أو الحرب.

 

كنا نتصور أن الاشتباك وأزماته فى دول المواجهة مع إسرائيل، وتصور معظمنا أن التحديات والصعوبات تأتينا فقط من إسرائيل، لا غيرها.

 

الحرب الأخيرة كشفت بوضوح تام أن إيران وضعت دول الخليج مجتمعة ومعها المملكة الأردنية، فى صلب أهدافها، تريد أن تكون منطقة نفوذ مطلق لها.

 

دول الخليج (الكويت والبحرين والإمارات وقطر) أعلنت عن اكتشاف خلايا سرية لديها، بعضها مسلح، تتبع الحرس الثورى الإيرانى أو حزب الله، الحزب بدوره خلية إيرانية. الأمن الكويتى أعلن أن الخلية التى اكتشفت هناك، كان بحوزة أفرادها طائرات مسيرة.

 

متى تشكلت تلك الخلايا وزرعت فى هذه المجتمعات؟ من هم العناصر التى تم تجنيدهم، هل هم من ذوى الميول والأهواء الأيديولوجية والسياسية أم من أصحاب الانتماء المذهبى؟ وما المهام التى كانت مكلفة بها ولماذا السعى نحو اختراق هذه الدول والمجتمعات.. هل هو التمهيد للسيطرة التامة عليها، كما كان الحال فى سوريا زمن بشار الأسد أو زرع خنجر فى خاصرة الدولة يعجزها عن الحركة وبه يتم التحكم بها والسيطرة عليها، على النحو الذى جرى فى لبنان وإلى حد ما فى العراق؟.

 

المعروف أن الحكومة العراقية حريصة على توطيد علاقاتها بالعالم العربى، خاصة دول الخليج، فى محاولة لتجاوز خطأ الرئيس الراحل صدام حسين باجتياح الكويت فى أغسطس سنة 1990، لكن الحرب الأخيرة كشفت أن ميليشيا عراقية، من داخل العراق، هى التى أطلقت الصواريخ والمسيرات على دولة الكويت ودولتين، على الأقل، غير الكويت.

 

كشفت الحرب كيف تفكر إيران وتنظر إلى الدول العربية المجاورة لها، لكن ماذا عن بقية الدول غير المجاورة، لنقل غير الملاصقة لها حدوديًا؟.

 

السؤال واجب الطرح، خاصةً بعد أن كشفت الحرب عن امتلاك إيران صواريخ ذات مدى بلغ أربعة آلاف كيلومتر، قيل إن فى ترسانتها ما هو أبعد من ذلك.

 

السؤال واجب أيضًا فى ظل تجربة وجود خلايا نائمة، تنتمى إلى تنظيم وجماعة قريبة جدًا أيديولوجيًا وفكريًا من ولاية الفقيه.

 

الطريف أن إيران المتهمة بذلك فى حق الدول العربية، هى نفسها مخترقة تمامًا بعناصر وخلايا كونتها المخابرات الإسرائيلية داخل إيران، فى طهران العاصمة وحتى المناطق الحدودية.

 

اعتمدت إسرائيل على عناصر محلية من داخل إيران وأعداد كبيرة من اللاجئين الأجانب إليها، أولئك الذين يدخلون ويخرجون بسهولة من المناطق الحدودية والدول المجاورة، عبر هؤلاء أدخلت إسرائيل إلى إيران ترسانة من الطائرات المسيرة وأسلحة أخرى، تم استخدام هذه الأسلحة فى عمليات تصفية بحق بعض القيادات واستعملت على نطاق واسع فى حرب الصيف الماضى وحرب الشتاء هذا العام.

 

استخدمت إسرائيل هؤلاء اللاجئين، ليس فقط فى جمع المعلومات بل فى تنفيذ العمليات أيضًا.

 

أهداف إسرائيل فى إيران معلنة، تتمثل فى العمل على منع إيران من الوصول إلى السلاح النووى وتحطيم برنامجها الصاروخى، خاصة الصواريخ الباليستية، طويلة المدى والتى يمكنها أن تحمل رؤوسًا منفجرة، تقترب فى خطورتها من السلاح النووى، تلك هى أحوال السياسة، سبق أن تعاونت دولة إسرائيل والجمهورية الإسلامية فى الحرب ضد العراق، فقد تعذر على الرئيس الأمريكى دونالد ريجان أن يمد إيران بالسلاح لأسباب تتعلق بموقف الكونجرس فعهد إلى إسرائيل بتلك المهمة وأدتها كاملة.

 

وإذا كانت المنطقة على هذا النحو، نحن بإزاء مشروعين، بينهما العديد من أوجه التشابه، الطابع الإمبراطورى أو التوسعى، الهيمنة التامة على الدول المجاورة والمحيطة، زرع الخلايا والعملاء ومد الأذرع.

 

المشروع الإسرائيلى «إسرائيل الكبرى»، أو الدولة العظمى بالمنطقة وفق أحد تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو.

 

المشروع الآخر هو «ولاية الفقيه»، الذى يقوم على تصدير الفكرة والثورة ومن ثم الخلايا النائمة والأذرع الممتدة بالحروب، حروب الوكالة أو الإسناد.

 

وقد يتصور البعض أنه يمكن الاستقواء بأحدهما ضد الآخر أو نكاية فيه، بمقولة عدو عدوى صديقى.

 

وقد جربت أجيال متتالية تلك المقولة مرة ومرة، سواء فى مرحلة الاستعمار والنضال لنيل الاستقلال أو بعد ذلك، فترة الحرب الباردة، فى كل مرة يثبت عدم صحتها، إذ كثيرًا ما تنتهى إلى نتائج عكسية تمامًا أو أن يتحالف العدوان علينا.

 

 

ما جرى ويجرى فى المنطقة، يستحق أن نقرأه وندرسه جيدًا، لابد أن نتعلم منه، لا أحد منا خارج دائرة الخطر.

نقلا عن المصرى اليوم