الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
لم تعد المسكونيّة اليوم كما كانت في السابق، إذ إنّ التقدّم الإعلامي جعل لقاءات الكنائس وأحاديثها متاحة فورًا لكل المؤمنين، لا للنخبة فقط. هذا التحوّل قرّب المسافة بين الرعاة والشعب، وجعل المسكونية خبرة تُعاش وتُناقش، لا مجرّد اتفاقيات تُحفظ في الأدراج.
في هذا السياق، يأتي لقاء البابا تواضروس الثاني بالبطريرك برثلماوس الأول علامة على مرحلة أكثر نضجًا في المسار المسكوني، في امتداد لمسيرة تاريخية شهدت محطات مهمّة، من بينها زيارة البابا شنودة الثالث لبطريرك القسطنطينية عام ١٩٧٢. فالخطاب يُظهر أن الخلافات القديمة كانت في التعبير اللاهوتي أكثر منها في جوهر الإيمان، ويفتح الباب أمام رؤية ترى في التنوّع إمكانًا للوحدة.
المهم في هذا الحوار هو التركيز على البعد الكرستولوجي، إذ يتّضح أنّ الخلاف كان في المصطلحات والألفاظ أكثر منه في المضمون. فالإيمان بسرّ المسيح واحد، حتى وإن اختلفت طرق التعبير عنه تاريخيًا. وأي مسكونية بين طرفين هي في الواقع مسكونية تتّسع لتشمل أطرافًا أخرى، لأنّ التقارب في نقطة جوهرية مثل الكرستولوجيا يفتح أفقًا أوسع للوحدة. لذلك، فإنّ التقارب الكرستولوجي بين الكنيسة القبطية والكنيسة الأرثوذكسية (الروم) يلتقي في عمقه مع الكرستولوجيا الكاثوليكية، حيث يبقى الإيمان بالكلمة المتجسّد واحدًا عبر التقاليد المختلفة.
كما يظهر اتجاه واضح نحو تحويل هذا التقارب اللاهوتي إلى واقع كنسي حيّ، في الرعاية والشهادة المشتركة، مع إدراك أنّ الروح القدس هو الذي يقود هذه المسيرة. وهكذا لم تعد الوحدة فكرة نظرية، بل دعوة تُعاش داخل الكنيسة ومن أجل العالم.
في المجمل، يكشف هذا اللقاء عن تحوّل في الوعي المسكوني: من حوار نخبوي إلى خبرة كنسية مشتركة، ومن اتفاقات نظرية إلى خطوات تدريجية نحو شركة أعمق، حيث تتّسع دائرة الوحدة كلّما تعمّق الفهم المشترك للإيمان.





