بقلم: شريف منصور (بتصرف)
نيويورك – لم يكن أشد المتشائمين في "وول ستريت" يتخيل أن تتحول عاصمة الرأسمالية العالمية، في غضون مئة يوم فقط، إلى نموذج حي للفشل المالي والنزوح الجماعي. لكن هذا هو الواقع الذي استيقظ عليه سكان نيويورك بعد مئة يوم من تولي العمدة اليساري الاشتراكي، زهران مامداني، مقاليد الأمور في "التفاحة الكبيرة".
أرقام لا تكذب: تراجع حاد في الشعبية
رغم الوعود الوردية التي ملأت حملته الانتخابية، كشفت استطلاعات الرأي الأخيرة عن صدمة كبرى؛ حيث أظهر استطلاع "كلية إيمرسون" أن نسبة تأييد مامداني تهادت إلى 43% فقط، بينما لاحقه الرفض بنسبة 27%. وحتى في أكثر التقارير تفاؤلاً (استطلاع مؤسسة مارست)، لم يكسر العمدة حاجز الـ 48%.
هذه الأرقام تبدو هزيلة وصادمة إذا ما قورنت بسلفه، إريك آدامز، الذي حظي بنسبة تأييد بلغت 61% في نفس المرحلة من ولايته عام 2022، مما يعكس حالة من "ندم الناخب" المبكر التي بدأت تجتاح شوارع المدينة.
فخ "المجانيات" والعجز الملياري
دخل مامداني قلعة الرأسمالية بقائمة أمنيات يسارية كلاسيكية:
مواصلات عامة مجانية بالكامل.
دور حضانة شاملة دون مقابل.
تجميد إجباري لإيجارات العقارات.
وعد مامداني بتمويل هذه الطموحات عبر "حلب" الأثرياء بضرائب باهظة، لكن النتيجة جاءت عكسية وقاسية. تواجه المدينة اليوم عجزاً هائلاً في الميزانية يُقدر بمليارات الدولارات، بينما تقف الإدارة عاجزة، تتوسل عاصمة الولاية "ألباني" لضخ مساعدات طارئة وتأجيل المواعيد النهائية للميزانية الغارقة.
النزوح الكبير: حين يهرب "المال" من الأيديولوجيا
النتيجة الأكثر مأساوية لسياسات "الإنفاق والضرائب" كانت في حركة السكان؛ حيث تشير التقديرات إلى نزوح أكثر من 100 ألف نسمة من سكان المدينة منذ توليه المنصب. هؤلاء لم يرحلوا للسياحة، بل هربوا باستثماراتهم وعائلاتهم نحو ولايات مثل فلوريدا وتكساس، حيث ينعدم فرض ضرائب على الدخل ويسود نظام أمني صارم، بعيداً عن تعقيدات البيروقراطية الاشتراكية.
"إن تجربة تحويل أكبر مدينة رأسمالية في العالم إلى مختبر للاشتراكية هي وصفة جاهزة للفشل، يدفع ثمنها المواطن من جيبه ومن جودة الخدمات التي تتدهور يوماً بعد يوم."
من نيويورك العظيمة إلى شبح الماضي
إن ما يفعله مامداني اليوم يعيد للأذهان تجارب دولية مريرة؛ فقد حول نيويورك من منارة للاقتصاد العالمي إلى حالة تشبه وضع مصر في عهد جمال عبد الناصر—تلك الحقبة التي استلمت فيها الدولة اقتصاداً واعداً وسلمته مثقلاً بالديون التي لا تزال الأجيال تدفع ثمنها حتى اليوم.
لقد بدأت تجربة "فرض الضرائب لتمويل الأوهام" تنهار بسرعة، تاركةً سكان نيويورك أمام حقيقة مرة: العمدة الذي وعد بالعدالة الاجتماعية لم يقدم سوى تكاليف معيشة أعلى، خدمات أقل، ومدينة تفقد بريقها وهويتها كعاصمة للمال والأعمال.





