بقلم الأب يسطس الأورشليمى
 رأوا ما لم تره عين، وسمعوا ما لم تسمع به أذن، إنهُم يمثلون المحّبة والإيمان والرجاء..
مريم المجدلية والمحّبة..
كان أول مَن وصل إلى القبر امرأة، أنها مريم المجدلية التي قامت باكراً، قبل طلوع الشمس، مجلّلة بالسواد غارقة في دموعها، قطعت شوارع مدينة أورشليم التي كانت تغط في نوم عميق، تصر على تقديم آخر واجبات التكريم تجاه مَن أحبته، فبدل حياتها تماماً لكنه مات، فذهبت تحمل الأطياب لتدهن بها جسده، كما كانت قد فعلت في ذلك اليوم الذي عبرت فيه عن توبتها، فكسرت قارورة الطيب على قدميه..

ولكن ما جدوى الاكتراث بجثة هامدة؟
لقد أرادت عبر تطيب جسد يسُوع، أن تضع آخر لمسات الحب والوفاء والعرفان، إن مجانية هذه اللمسة الإنسانية لتشهد على رقة حبها للمعلم، كانت على حقّ، فإن قيامة يسُوع المسيح تُعلن انتصار المحّبة على الشرّ والموت، ومنذ مطلع يوم القيامة، أصبحنا نُدرك أن الحب الآتي من عند الله إنما ينتصر دوماً، وأنه يوماً ما سوف يسكُن في جميع القلوب، يتحتم علينا أن نترك له أنفُسنا ليمتلك عليها بلا منازع..

يُوحنا الحبيب والإيمان..
أما الشخص الثاني الذي وصل إلى القبر، فكان يُوحنا الحبيب نراه مُسرعاً إلى القبر بكُل حماس شبابه، تاركاً خلفه بُطرُس الرسُول يلهث ويستجمع قواه، ولما بلغ القبر رأى فآمن (يو8:20)..

ولكن ماذا رأى؟ أنه لم ير شيئاً لأن القبر كان فارغاً، غير أن ذلك كان كافياً ليجعله يُؤمن بالقيامة، فلم يكن مُحتاجاً لرؤية مكان المسامير على غرار توما، راجع (يو25:20)، لقد كان القبر فارغاً، وكانت الأكفان على الأرض، والمنديل الذي كان على رأس يسُوع ملفوفاً، وبالرغم من كُل ذلك، فقد أدرك يُوحنا كُل شيء، حقاً قام كما قال ووعد، وأدرك أن الإيمان لا يمكن أن يبطل أبداً، لأن الله لا يخدع، ولا يغش..

لهذا يُوحنا يجسد لنا رمز الإيمان الذي لا يرتكز على أدلة مادية ولا على حسابات ملموسة، إنما على الثقة في الكلمة التي تخرج من فم الله، ولا تعود إليه قبل أن تكمل رسالتها، الإيمان ليل لأننا لا نراه، ولكنه ليل مُضيء مُشرق أكثر من وضح النهار، والذي يضع ثقته في يسُوع المسيح وفي فاعلية كلمته فإنه يسير من يقين إلى يقين..

بُطرُس الرسُول والرجاء..
كان آخر المشتركين في سباق القبر بُطرُس الرسُول الذي لم يلعب دوراً بطولياً أثناء الآلام إذ أنكر يسُوع المسيح، لكن قلب بُطرُس ظل مليئاً بالرجاء وفي فجر القيامة أمام القبر الفارغ، أدرك أنه كان على حقّ أن يرجو بالرغم من خطيئته، وسوف يقول له يسُوع بعد ذلك، على شاطيء بحيرة طبرية، ثلاث مرات أرع خرافي، بمثابة صدى لنكرانه المثلث، وفي يوم العنصرة نراه يشهد بكُل حماس عن رجاء القيامة (أع14:2-42)..

لهذا فإن بُطرُس بالنسبة لنا هُو رمز الرجاء، غالباً ما تقودنا خطيئتنا إلى السقوط في فخ إبليس، ولا نجد منه مخرجاً..

ولكي ننجو من هذا الفخ، ونتخلّص من الخطيئة، كان لابد من الصليب، ومن موت الفادي، غير أن قيامة يسُوع المسيح من الموت تبرهن لنا أن الله لا يستسلم أبداً للموت وللخطيئة التي تفصلنا عنه، إن الأمر لم ينته بالنسبة له لأنه يجعل كُل شيء جديداً (رؤ5:21)، إن إلهنا هُو إله الرجاء إله المستقبل، المستقبل المفتوح دائماً، والمتاح للجميع..

ثلاثة تلاميذ وقبر فارغ، قبر كبير مفتوح وحجر مدحرج .. كُلها تشهد على انتصار المسيح القائم على الخطيئة والموت، ونحنُ أيضاً يوم قبولنا لسرّ المعمودية، فأننا قد قمنا مع المسيح من الخطيئة وقمنا معه لحياة جديدة، وبهذا فإننا عندما نحتفل بانتصار يسُوع المسيح في فجر القيامة، نحتفل أيضاً بانتصارنا، إن فرح المسيح القائم هُو فرحنا، وهذا من شأنه أن يغير كُل شيء، ليس فقط عندما تتمجد أجسادنا يوم القيامة، إنما منذ الآن في هذه الحياة.. 

يارّب.. يا مَن قُمت مُنتصراً على قوات الظلمة، هبني أن أحيا مجد أولاد الله (رو16:8؛ 1كو41:15)، ويا مَن سحقت رأس الحية وأبطلت قوة الموت، أعطني أن أسلّمك سفينة حياتي بالكامل..

يارّب.. يا مَن دخلت العُلية والأبواب مُغلقة، اسمح الآن وأدخل عُلية قلبي، وهبني سلامك الذي يفوق كُل عقل، يحفظ قلبي وأفكاري في المسيح.. 

يا مَن حطمت متاريس النحاس وأبواب الجحيم، أعطني ألا أخاف الموت، بل أكون مُستعداً مع العذارى الحكيمات، وأسمع الصوت القائل: نعمّا أيها العبد الصالح والأمين، كُنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح سيدك (مت21:25)، فاسهروا إذا لأنكُم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان، اسهروا وصلّوا لئلاّ تدخلوا في تجربة، أمّا الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف (مت42:24؛ 41:26)..