محرر الأقباط متحدون
في واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية تأثيرًا في الحياة الفكرية العربية الحديثة، تبرز قصة سوزان زوجة طه حسين كحكاية مختلفة تمامًا عن الصورة التقليدية للزواج في ذلك الزمن، إذ لم تكن مجرد شريكة حياة، بل كانت عينًا ثانية وأداة رؤية كاملة لصاحب “عميد الأدب العربي” طه حسين، فقد جاءت سوزان من فرنسا، شابة مثقفة تحمل اسم سوزان بريسو، لتدخل حياة طه حسين في لحظة كان فيها طالبًا أزهريًا شابًا يسعى لفتح أبواب المعرفة رغم فقدانه للبصر، ولم يكن أحد يتوقع أن تتحول هذه العلاقة إلى شراكة فكرية وإنسانية ممتدة طوال العمر. منذ اللحظة الأولى، لم تتعامل سوزان مع طه حسين كـ“رجل ضرير يحتاج مساعدة”، بل كعقل حيّ يحتاج إلى من يفتح له العالم بصريًا، فتعلمت العربية، ورافقت طريقه الأكاديمي، وصارت تقرأ له الكتب حرفًا حرفًا، وتكتب ما يمليه عليها، ثم تناقشه فيما يكتب وكأنها محرر أدبي وشريكة تفكير في آن واحد، وكان طه حسين نفسه يصفها بأنها “عيناه اللتان يرى بهما العالم”، بينما كانت هي ترى فيه مشروعًا فكريًا يستحق أن يُحمى ويُصان.

ومع مرور السنوات، لم تكن حياتهما مجرد تعاون عملي، بل تحولت إلى نموذج نادر للتكامل؛ فهي التي كانت تشرح له تفاصيل الحياة اليومية، وتصف له المشاهد، وتنقل له الكتب الأوروبية، وتشاركه في تشكيل رؤيته النقدية التي ستصبح لاحقًا علامة فارقة في الأدب العربي الحديث، بينما كان هو يفتح لها أبواب الثقافة العربية والتاريخ الإسلامي، فصار بينهما جسر مزدوج الاتجاه بين حضارتين. ورغم الصعوبات الاجتماعية في البداية، خصوصًا اختلاف اللغة والثقافة والبيئة، إلا أن العلاقة صمدت بقوة، بل ازدادت رسوخًا مع الوقت، حتى أصبحت جزءًا أساسيًا من سرّ نجاحه العلمي والفكري، إذ لا يمكن فهم إنتاج طه حسين الأدبي دون المرور عبر حضور سوزان في حياته اليومية، ليس كظل خلفه، بل كشريك فعلي في بناء فكره وكتاباته.

وفي سنوات لاحقة، حين أصبح طه حسين واحدًا من أهم رموز التنوير في العالم العربي، كانت سوزان ما تزال بجانبه، تدير تفاصيل حياته الدقيقة، وتسانده في أوقات المرض والضعف، وتشاركه أيضًا لحظات الإنجاز والاعتراف الأكاديمي، حتى بدا أن العلاقة بينهما تجاوزت مفهوم الزواج التقليدي إلى نوع من التحالف الإنساني العميق الذي جمع بين العقل والعين والذاكرة. وظلت سوزان حتى بعد رحيله رمزًا خفيًا خلف اسمه الكبير، شاهدة على أن كثيرًا من الضوء الذي خرج من تجربة طه حسين لم يكن فرديًا خالصًا، بل كان ثمرة علاقة إنسانية نادرة صنعتها امرأة فرنسية دخلت حياة كاتب عربي أعمى، فحوّلتها إلى واحدة من أجمل قصص الشراكة الفكرية في القرن العشرين.