أحمد الخميسي
فى كتابه الأكثر شهرة «سادة الفقر» يصدمنا الكاتب البريطانى جراهام هانكوك بحقيقة ما يسمى «منظمات المساعدات الدولية» من زاوية الفساد المالى، والأخلاقى، وقبل كل ذلك بالتشكيك فى وصول المساعدات إلى مستحقيها.
ومن واقع خبرته الصحفية الطويلة يضرب مثالًا بأنه حين أغرق الفيضان السودان فى ١٩٨٨، وشرّد نحو مليون شخص، لم يصل شىء من المساعدات المعلن عنها إلى السودان، هذا مع أن حجم المساعدات المعلن عنها عامة فى المنظمات الدولية بلغ ستين مليار دولار سنويًا! ويضرب مثالًا بفساد العاملين فى تلك المنظمات قائلًا: وقد حصل أحد موظفى منظمة الصحة العالمية على علاوة عن يومىّ عمل فقط تجاوزت كل ما قدمه برنامج الإغاثة إلى كمبوديا فى عامين كاملين!
ويشير جراهام هانكوك إلى أمر عجيب، هو خلط المساعدات بالدين، مستشهدًا بتصريح لنيد أرمسترونج، رئيس منظمة «رؤية العالم»، قال فيه: «عندما نقوم بأى مشروع فإننا نتأكد أولًا من وجود الجانب التبشيرى فيه، لأننا لا نستطيع أن نطعم الناس ثم نتركهم يذهبون إلى جهنم»! ويورد مثالًا آخر قائلًا: «إن وكالة الغوث الدولية استخدمت دعم الأمم المتحدة لشراء خيام وبطاطين فى بيروت من شركات وهمية بثلاثة أضعاف سعرها».
ويشير إلى صندوق النقد الدولى بقوله إن الصندوق لا يدفع شيئًا إلا بعد موافقة الدول على سياسة إصلاحات فى المجال الاقتصادى الداخلى لتلك الدول، وعلى حد قوله فإن الإصلاح يشتمل على: «خفض قيمة العملة المحلية، والنفقات الحكومية فى مجال التعليم والصحة، وإلغاء دعم الأغذية بالكامل، وخفض المرتبات، والالتزام بعدم مراقبة الأسعار، وفرض ضرائب مرتفعة، مع تحويل القطاع العام إلى قطاع خاص، وزيادات سريعة فى أسعار الخدمات كالماء والكهرباء». ويضرب مثالًا على ذلك بالفلبين عام ١٩٨٥ حين التزمت بسياسة الصندوق قائلًا: «ونتيجة لذلك تراجع الدخل القومى فى الفلبين عشر سنوات إلى الخلف خلال عام واحد فقط، أى إلى ما كان عليه فى ١٩٧٥». وفى البرازيل أدت سياسة الصندوق إلى خفض النفقات الحكومية خاصة فى مجال الصحة، فزادت بصورة حادة نسبة الوفيات بين الأطفال والتسرب الدراسى والرسوب وإهمال الأطفال والتخلص منهم. وفى بلد مثل زائير «الكونغو الديمقراطية حاليًا» تم فصل سبعة آلاف مدرس من التعليم بحجة الميزانية، بينما كان عند الرئيس «موبوتو» أكثر من خمسين سيارة مرسيدس وإحدى عشرة قلعة فى بلجيكا وفرنسا وفيلّا للتصييف فى كوستاسول!
ويقول جراهام هانكوك إن هذه النتائج «شىء حتمى فى نظام إصلاحات تم وضعه بواسطة غرباء مرفهين يتضامنون مع النخبة المحلية، وليس لأحد من هاتين المجموعتين تجربة مباشرة مع الفقر». وخلال ذلك لا تصرّح تلك المنظمات، حتى «يونسكو»، بشىء عن مشاريعها والأموال وكيف استخدمت، وفى صندوق النقد الدولى هناك كم هائل من الإحصائيات والوثائق التى يعدونها سرية ولا يمكن السماح بنشرها. الكتاب ممتع وحافل بالأمثلة الحية التى تتقاطع مع واقع البلدان النامية، وقد ترجمه د. ناصر السيد وصدر عن دار الحداثة فى لبنان.
نقلا عن الدستور





