محرر الأقباط متحدون
يتوجّه البابا لاون الرابع عشر يوم 8 أيار 2026 إلى مدينتَي بومبيي ونابولي الإيطاليتين. وتكتسب الزيارة الراعوية أهمية خاصة، ليس فقط بسبب تزامنها مع مرور عام على اعتلائه السدة البطرسية في الفاتيكان، بل أيضًا لما تمثّله المدينتان من ثقل ديني وشعبي في الوجدان الكاثوليكي الإيطالي.
وفي المحطة الأولى من الزيارة، يترأس البابا القداس الإلهي في ساحة بارتولو لونغو أمام مزار سيدة الوردية في بومبيي، أحد أشهر المزارات المريمية في العالم، قبل أن يشارك في صلاة التضرّع التقليدية للعذراء. كما يلتقي المرضى والفقراء والعاملين في المبادرات الخيرية التابعة للمزار، في تأكيد على البعد الاجتماعي والراعوي لحبريته.
أما في المحطة الثانية، فتشمل مدينة نابولي، حيث يتمحور برنامج الزيارة حول تكريم القديس يانواريوس (سان جينارو)، شفيع المدينة، المعروف عالميًا بـ«أعجوبة الدم» المرتبطة به، والتي تُعد من أبرز التقاليد الدينية الشعبية في إيطاليا. وسيكرّم البابا ذخائر القديس داخل كاتدرائية نابولي، قبل أن يلتقي أبناء المدينة في ساحة بياتسا ديل بليبيشيتو ويوجه إليهم كلمة خاصة.
يُعدّ مزار سيدة الوردية في بومبيي من أشهر المزارات المريمية في العالم الكاثوليكي، ويقع في مدينة بومبيي بجنوب إيطاليا، بالقرب من خليج نابولي والمدينة الأثرية الشهيرة. ويرتبط اسم المزار بالقديس بارتولو لونغو (1841-1926)، المحامي الإيطالي الذي عاش في القرن التاسع عشر، والذي تحوّلت حياته جذريًا بعد عودة روحية عميقة، إثر مرحلة ابتعاد روحي، قادته لاحقًا إلى تكريس ذاته للعذراء مريم ولنشر صلاة الوردية.
وصل لونغو إلى منطقة بومبيي عام 1872، وكانت آنذاك منطقة فقيرة تعاني من الجهل والأوضاع الاجتماعية الصعبة. وهناك، وبمساندة زوجته الكونتيسة ماريانا فارنارا، بدأ رسالة تبشير وتعليم مسيحي، قبل أن يجلب صورة للعذراء مريم المعروفة باسم «سيدة الوردية». وسرعان ما انتشرت التقوى المرتبطة بالصورة، خصوصًا بعد روايات عن نِعَم وشفاءات نُسبت إلى شفاعة العذراء. ومع تزايد أعداد المؤمنين، وُضع حجر الأساس للمزار عام 1876، ليتحوّل لاحقًا إلى واحد من أهم مراكز الحج والصلاة في إيطاليا والعالم.
ولم يقتصر دور المزار على العبادة فقط، بل أصبح أيضًا مركزًا واسعًا للأعمال الاجتماعية والخيرية، إذ أسس بارتولو لونغو مؤسسات لرعاية الأيتام وأبناء السجناء والفقراء، ما جعل بومبيي تُعرف أيضًا بـ«مدينة المحبة». ويشتهر المزار عالميًا بصلاة «التضرّع إلى سيدة بومبيي»، التي تُرفع مرتين سنويًا، في 8 أيار والأحد الأول من تشرين الأول، ويشارك فيها آلاف المؤمنين من مختلف أنحاء العالم. كما يضم المزار ضريح القديس بارتولو لونغو، مؤسسه، والذي دُفن داخله بعد وفاته عام 1926.
وقد أعلن البابا القديس يوحنا بولس الثاني بارتولو لونغو طوباويًا عام 1980، واصفًا بومبيي بأنها «مركز عالمي للروحانية المريمية». كما زار عدد من البابوات المزار، بينهم القديس يوحنا بولس الثاني والبابا بندكتس السادس عشر والبابا فرنسيس، ما يعكس المكانة الخاصة التي يحتلها في قلب الكنيسة الكاثوليكية. وفي تشرين الأول 2025، أعلن البابا لاون الرابع عشر بارتولو لونغو قديسًا، تقديرًا لمسيرته الروحية ورسالة حياته في نشر صلاة الوردية وخدمة الفقراء.
أما القديس يانواريوس، المعروف في إيطاليا باسم «سان جينارو»، فهو أسقف وشهيد مسيحي من أوائل القرن الرابع، ويُعتبر الشفيع الرئيسي لمدينة نابولي وأحد أبرز رموزها الدينية والشعبية. وبحسب التقليد الكنسي، استُشهد خلال اضطهاد الإمبراطور الروماني ديوكلتيانوس للمسيحيين نحو عام 305.
وتحتفظ كاتدرائية نابولي بذخيرته، ولا سيما قارورتين يُقال إنهما تحتويان على دمه، في ما يُعرف عالميًا بـ«معجزة سان جينارو». ففي ثلاث مناسبات سنويًا، أبرزها في عيده يوم 19 أيلول، يتحوّل الدم المتجلّط داخل القارورتين إلى سائل أمام المؤمنين خلال احتفال ديني مهيب، في ظاهرة لم يجد العلم تفسيرًا حاسمًا لها حتى اليوم. ويرى كثير من أبناء نابولي في هذا الحدث علامة بركة وحماية للمدينة.
وترتبط هذه الظاهرة ارتباطًا عميقًا بالهوية الشعبية والدينية لنابولي، إذ يشارك آلاف المؤمنين سنويًا في الاحتفالات الخاصة بالقديس، فيما يُنظر إلى عدم تسييل الدم، وفق المعتقد الشعبي، كإشارة إلى أوقات صعبة أو كوارث قد تواجه المدينة.




