هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
يثير مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، وبخاصة ما ورد في المادة (30) منه، جدلًا قانونيًا ولاهوتيًا بالغ الخطورة، لما تضمنه من استثناءات على موانع الزواج، كان أبرزها إجازة الطائفة الإنجيلية الزواج من أخت الزوجة أو زوجة الأخ في حالة الوفاة، بشرط عدم وجود أبناء لدى الطرفين. ولا يمكن النظر إلى هذا الاستثناء باعتباره مجرد تنظيم تشريعي، بل هو في حقيقته مساس مباشر بحدود راسخة قررها الكتاب المقدس، بما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مدى اتساق هذا النص مع الشريعة المسيحية، ومدى التزامه بالإطار الدستوري الحاكم، وعلى رأسه المادة الثالثة من الدستور.
فالثابت أن الكتاب المقدس، في العهد القديم، قد وضع نظامًا دقيقًا ومحكمًا للعلاقات الأسرية يقوم على قدسية الجسد وحرمة القرابة، حيث جاءت نصوص سفر اللاويين (الإصحاح 18) قاطعة الدلالة في حظر هذا النوع من العلاقات، إذ نصت على: “لا تكشف عورة امرأة أخيك. إنها عورة أخيك” (لاويين 18: 16)، كما جاء أيضًا: “لا تأخذ امرأة على أختها للضر لتكشف عورتها معها في حياتها” (لاويين 18: 18). وهذه النصوص لم تُقرن بأي استثناء، لا في حالة الوفاة ولا في غيرها، لأن العلة لا تتعلق بوجود الزوج أو غيابه، بل بطبيعة العلاقة ذاتها باعتبارها داخلة في دائرة القرابة المحرمة.
ولا يصح التذرع بأن هذه الأحكام تنتمي للعهد القديم، ذلك أن العهد الجديد لم يُلغِ هذه المبادئ، بل أكدها وارتقى بها إلى مستوى القداسة، حين أعاد السيد المسيح تعريف الزواج بوصفه رابطة إلهية لا تقبل العبث أو إعادة التشكيل، قائلًا: “فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان” (متى 19: 6)، ومؤكدًا أن هذه العلاقة تجعل من الزوجين جسدًا واحدًا، وهي وحدة لا يمكن مدّها أو تكرارها داخل ذات الدائرة العائلية دون أن يُنتهك جوهرها.
ولم يبقَ هذا المبدأ حبيس النصوص، بل خرج إلى الواقع في صورة موقف تاريخي بالغ الدلالة، حين وقف يوحنا المعمدان، كصوتٍ للحق، ليعلن في وجه الملك هيرودس: “لا يحل لك أن تكون لك امرأة أخيك”. لم يبحث عن استثناء، ولم يقبل تبريرًا، ولم يُساوم على النص، لأنه أدرك أن تجاوز هذا الأمر ليس مخالفة جزئية، بل انهيار لمنظومة أخلاقية كاملة. وقد دفع حياته ثمنًا لهذا الموقف، لتصبح دماؤه شاهدًا خالدًا على أن هذه المسألة ليست محل اجتهاد أو ترخيص، بل من صميم المحظورات التي لا تُمس.
ومن ثم، فإن أي محاولة لإضفاء المشروعية على مثل هذه العلاقات، حتى تحت غطاء الاستثناء، تصطدم ليس فقط بالنصوص المقدسة، بل أيضًا بشهادة تاريخية دُفعت فيها الحياة ثمنًا لصون هذا المبدأ.
وعلى الصعيد الدستوري، فإن المادة الثالثة من الدستور المصري جاءت حاسمة حين قررت أن “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية”، وهو نص مُلزم يقيد سلطة المشرّع، ويمنعه من الخروج على أحكام الشريعة المسيحية أو استحداث قواعد تناقضها استجابةً لرغبات فئوية أو اجتهادات غير منضبطة.
ومؤدى ذلك أن أي نص تشريعي يخالف مبدأً مستقرًا في هذه الشريعة يُعد متجاوزًا لحدود التفويض الدستوري، ومعيبًا بعيب عدم الدستورية.
وبإنزال هذا الحكم على المادة (30) محل النقاش، يتضح أن إباحة الزواج من أخت الزوجة أو زوجة الأخ – ولو في حالة الوفاة وعدم وجود أبناء – تمثل خروجًا صريحًا على نصوص الكتاب المقدس في العهدين، وتعارضًا مباشرًا مع النموذج التطبيقي الصارم الذي جسده يوحنا المعمدان، بما يجعل هذا النص التشريعي عرضة للطعن بعدم الدستورية، فضلًا عما ينطوي عليه من خطر تفتيت وحدة القواعد المنظمة للأحوال الشخصية، وخلق ازدواجية بين المرجعية الدينية والنص القانوني، بما يهدد الاستقرار الأسري والهوية التشريعية للمسيحيين في مصر.
وإزاء ذلك، فإننا نُحمّل الطائفة الإنجيلية المسؤولية الكاملة عن اقتراح هذا الاستثناء الذي يصطدم بالنصوص القطعية، ونؤكد أن ما ورد في المادة (30) لا يُعد اجتهادًا تشريعيًا مقبولًا، بل انحرافًا عن أصول راسخة وشهادة خالدة.
وبناءً على ما تقدم، فإننا نناشد مجلس النواب الموقر عدم إقرار هذا الاستثناء، وإعادة النظر في النص بما يحقق التوافق الكامل مع أحكام الكتاب المقدس ونصوص الدستور، صونًا لقدسية الزواج، وحفاظًا على وحدة النظام القانوني.





