القمص يوحنا نصيف
 
   مَن هو الأعظم؟
يَذكُر القدّيس لوقا في إنجيله أنّه في يوم خميس العهد قد حدثت مشاجرة بين التلاميذ، عن مَن هو الأعظم بينهم، أمّا الربّ يسوع المسيح فقال لهم ألاّ يسلكوا مثل ملوك الأمم الذي يتنافسون على السُّلطة والزعامة، بل أوضّح لهم أن يكون الكبير كالأصغر والمتقدّم كالخادم، وأعطاهم نفسه مثالاً أنّه وسطهم كالذي يخدم (لو22: 24-27)، بل إنّه انحنى مثل العبيد، وغسل أرجلهم واحدًا فواحدًا (يو13: 4-17)، وأوصاهم أن يفعلوا هكذا مع بعضهم البعض!
 
    يُعَلِّق القدّيس كيرلّس الكبير على هذا الموقف بتأمّلات جميلة، اخترت منها في هذا المقال بعض الفقرات:
التلاميذ استسلموا لإحدى الضعفات البشريّة، وكانوا يتشاجرون مع بعضهم البعض، مَن منهم يكون الأعظم والأعلى بين الباقين.. هذا حدث بينهم وتمّ تسجيله لمنفعتنا، إذ أنّ ما حدث للرسل الأطهار يمكن أن يكون سببًا في التواضُع فيما بيننا.
 
المسيح يزجُر في الحال هذا الداء، ومثل طبيب قويّ قَطَعَ الهَوَى الذي نشأ بينهم، بوصيّة حاسمة وخارقة إلى العُمق.
 
هذا الطموح الباطل والأحمق ظهر فيهم بسبب محبّة المجد الباطل غير النافعة، النابعة من الكبرياء. لأنّ مجرّد رغبة المرء في أن يتفوّق على الآخَرين، وأن يصارع لأجل هذه الغاية، يَجعَل الإنسان عُرضةً لِلَّوم..
 
كون الإنسان يسمو في الفضيلة، فهذا أمر جدير بكلّ اعتبار، لكن يلزم لأولئك الذين يبلغون ذلك أن يكونوا ذوي عقل متّضع، وأن يكون لهم شعور التواضُع هذا لكي يَستَبعِد كلّ تفكير في التفوُّق، وذلك بسبب المحبّة للإخوة. وهذا هو ما يُريدُنا المبارك بولس أن نكون عليه، إذ يكمّل هكذا قائلاً: "مُقَدِّمين بعضكم بعضًا في الكرامة" (رو12: 10).
 
هذا الشعور هو لائق تمامًا بالقدّيسين، ويجعلهم متألّقين بالمجد، ويجعل تقوانا من نحو الله جديرة بكرامة أكثر؛ فهي تُمَزِّق شبَكة خُبث الشيطان، وتكسر فخاخه المتنوّعة، وتُنقذنا من شراك الفساد. وفي النهاية تُكَمِّلنا على مثال المسيح مخلّصنا جميعًا.
 
يضع الربّ أمامنا نفسَه كنموذج للفكر المتّضع، وكإرادة غير منشغلة بالمجد الباطل، فيقول لنا: "تعلّموا مِنِّي لأنّي وديع ومتواضع القلب" (مت11: 29). وهُنا في الفقرة التي قُرِئت علينا للتوّ يقول: "لأنّ مَن هو الأكبر، الذي يتّكئ على المائدة أم الذي يخدم؟ أليس الذي يتّكئ؟ ولكن أنا في وسطكم كالذي يخدم"!
 
 ذاك الذي تخدمه المخلوقات العاقلة والكائنات المقدّسة، والذي يسبّحه السارافيم.. والذي هو مُساوٍ لله الآب في عرشه وملكوته، أخذ مكان العبد، وغسل أرجل الرسل القدّيسين.. الذي تُقدَّم له الخدمة صار خادِمًا، وربّ المجد افتقر لأجلنا "تارِكًا لنا مثالاً" كما هو مكتوب (1بط2: 21).
 
لذلك، ليتنا نتحاشى محبّة المجد الباطل، ونُخَلِّص أنفسنا من اللوم المرتبط بشهوة الرئاسة، لأنّنا بتصرّفنا هكذا نصير مُشابهين له هو، الذي أخلى ذاته لأجلنا. بينما التشامُخ وعجرفة العقل يجعلاننا نُشبِه تمامًا رؤساء الأمم الذين يَمِيلون للغطرسة دائمًا.. إنّ مرؤوسيهم يتملّقونهم ويدعونهم مُحسِنين.. هم ضحايا لهذه الأمراض.
 
 لكنّ الأمر لا ينبغي أن يكون هكذا معنا، بل بالحريّ ليَكُن مجدنا هو في التواضُع، وفخرنا هو في عدم محبّة المجد (الباطل)، ولتكُن شهوتنا هي في تلك الأمور التي تُسِرّ الله وتُرضيه، واضعين في أذهاننا ما يقوله لنا الحكيم: "بقدر ما تتعظّم، أخفِض ذاتك بالأكثر، فتنال حُظوة عند الربّ" (ابن سيراخ3: 19). لأنّه يُرذِل المستكبرين، ويَعتَبِر المتعجرفين كأعداء له، أمّا الودعاء ومتواضِعو القلب فيكلّلهم بالكرامات.
 
 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 143) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]