الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في مصر، البوّاب ليس مجرّد شخص يحرس عقارًا أو ينظّف سلّم العمارة. إنّه شخصية تكشف شيئًا عميقًا عن المجتمع نفسه: كيف تُصنع السلطة؟ وكيف يمكن لإنسانٍ مهمَّش أن يتحوّل بدوره إلى أداة لتهميش الآخرين والتحكّم في حياتهم الشخصيّة وانتهاك حرّيتهم الشخصيّة؟
الأفلام المصريّة القديمة كثيرًا ما حصرت صورة البوّاب في النوبيّ، لكن الواقع تغيّر تدريجيًّا، خصوصًا بعد تحوّلات المجتمع المصري بعد ١٩٥٢ والهجرة الداخليّة الواسعة من الريف إلى المدن. صار البوّاب صورةً مصغّرة من المجتمع المصريّ نفسه: ابن قرية أو مدينة، فقيرٌ جاء يبحث عن فرصة للحياة داخل عالم لا ينتمي إليه بالكامل.
لكن ما يلفت النظر ليس فقط طبيعة عمله، ولكن شكل وجوده نفسه. البوّاب يعيش غالبًا في غرفةٍ ضيّقة أسفل العمارة أو فوق السطح، بينما يحرس شققًا تساوي ملايين الجنيهات. يعرف أدقّ تفاصيل حياة السكّان: مواعيد خروجهم، خلافاتهم، أمراضهم، زيجاتهم، أسرارهم، لكنه يظلّ خارج عالمهم. موجود دائمًا… لكن نادرًا ما يُرى بوصفه إنسانًا كاملًا له حياة وأحلام وأوجاع. هو هنا ليؤدّي ما يُطلب منه، وليبقى متاحًا دائمًا.
هو أوّل مَن يُطلب وآخِر مَن يُسأل عنه. يفتح الباب في منتصف الليل، ويحمل الأكياس، ويشتري الطعام، وينظّف السيارات، ويراقب العمارة، ويستدعي السباك والكهربائيّ، ويظلّ طوال الوقت في حالة استعداد دائم، من دون ساعات عمل حقيقيّة، ومن دون تأمين، ومن دون ضمان اجتماعيّ. إنّه يعمل داخل اقتصاد غير مرئيّ قائم على الخدمة الدائمة والبقشيش والرضا الشخصيّ للسكان.
لكن المأساة الحقيقيّة تبدأ هنا تحديدًا: المجتمع لا يمنح البوّاب كرامةً حقيقيّة، ولكنّه يمنحه بدلًا منها شيئًا آخر… سلطةً صغيرة.
السلطة التي تُعطى للمهمَّش
البوّاب ليس فقط ضحيّة فحسب لكنه يمكن أن يتحوّل أيضًا إلى جلّاد صغير. وهذه إحدى أكثر الحقائق إزعاجًا في المجتمع المصري. فالسلطة التي لا يملكها في حياته، يحصل على جزء محدود منها عند الباب. إنّه لا يملك العمارة، لكنّه يملك العبور إليها. لا يملك الشقق، لكنّه يملك مراقبة مَن يدخلها. لا يملك مكانة اجتماعيّة، لكنّه يستطيع أحيانًا أن يهدّد السمعة الاجتماعيّة للآخرين. وهذه السلطة لا تأتي منه وحده، بل من السكّان أنفسهم. فكلّما طلبوا منه أكثر، وكلّما دفعوا بقشيشًا أكثر، أعطوه سلطات أوسع: راقب، امنع، اسأل، تدخّل، افضح، أو تستّر.
لكن اللافت أنّ المعيار هنا ليس أخلاقيًا بالضرورة، بل اجتماعيّ. فإذا كان زوج يضرب زوجته داخل الشقّة، قد يصمت الجميع لأنّ هذا “شأن عائليّ”. أمّا إذا التقى عاشقان، أو زار شابّ فتاةً، أو دخل شخص يبدو “غير مناسب” للعمارة، فقد تتحرّك فجأة سلطة البوّاب بكل عنفها: أسئلة، تهديد، فضيحة، منع، وربّما استدعاء السكّان أو الشرطة.
هنا لا يصبح البوّاب حارس عقار فحسب، بل حارسٌ غير معلَن لحدود الطبقة ولأخلاق الحيّ كما يفهمها المجتمع. إنّه يطبّق نسخةً مصغّرة من السلطة المصريّة نفسها: سلطة قد تتسامح مع العنف الحقيقي، لكنها ترتعب من كسر الصورة الاجتماعيّة. ولهذا، فالبوّاب هو تكثيف للمجتمع. إنّه يحمل داخله تناقضاته نفسها: القهر والرغبة في القهر، والتهميش والرغبة في ممارسة سلطة على مَن هو أضعف أو أكثر هشاشة. المجتمع كلّه ينعكس عند الباب.
وهنا يصبح المشهد لاهوتيًا بامتياز. فالخطيئة، في المفهوم المسيحي، ليست فقط أفعالًا فرديّة، بل هيكليّة كاملة تُعيد إنتاج الوضع الخاطئ نفسه داخل البشر وداخل البنية المجتمعيّة. والمظلوم نفسه قد يتحوّل إلى أداة ظلم حين لا يجد لنفسه مكانًا إلا من خلال سلطة صغيرة يمارسها على غيره.
ولذلك، فالمشكلة ليست في “شخص” البوّاب، بل في مجتمع يصنع بشرًا يعيشون طوال عمرهم على العتبات: لا هم داخلون بالكامل، ولا هم خارجون بالكامل، ثم يمنحهم المجتمع فتات سلطة ليحرسوا الحدود التي أقصتهم أصلًا.
وربّما لهذا، فالسؤال المسيحي الحقيقي:لماذا يحتاج المجتمع دائمًا إلى طغاة صغار يحرسون أبوابه؟ ولماذا يمنح المهمَّش سلطةً محدودة بدل أن يمنحه كرامة حقيقيّة؟ ولماذا يتحوّل الإنسان المقهور أحيانًا إلى نسخة مصغّرة من القهر نفسه؟
ما الذي يحدث لروح المجتمع حين تصبح العلاقة بين البشر قائمة على المراقبة لا الثقة واحترام حدود الإنسان الشخصيّة؟ وعلى الإذن لا اللقاء، وعلى الخوف من الفضيحة أكثر من الخوف من الظلم؟
كيف يمكن لمجتمعٍ يتسامح مع العنف داخل البيوت أن يرتعب من كسر قواعد “المنظر العام”؟ ولماذا تُصبح السمعة أقدس من الإنسان؟





