جدل حول مواد القانون ما بين ترحيب ببعضها ومخاوف من البعض الآخر 
حنـان فـكري 
مخاض عسير وشفافية غائبة، بين آمال الانفراجة وهواجس الوصاية، يقف ملف الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر على أعتاب مرحلة فارقة؛ فبينما كان المنتظر أن يحمل مشروع القانون الجديد حلولاً نهائية لأزمات متراكمة منذ عقود، جاءت المسودة المحالة من وزارة العدل إلى البرلمان لتثير زوبعة من التساؤلات حول "سرية" النصوص ومدى استجابتها لواقع الأسر المسيحية. وفي هذا السياق، فتحت "مؤسسة قضايا المرأة المصرية" نافذة للنقاش المجتمعي لفك شفرات هذا المشروع المثير للجدل.
 
في مستهل مائدة حوارية نظمتها المؤسسة (الأحد، 3 مايو 2026)، وضع المحامي الحقوقي عبد الفتاح يحيى الإصبع على الجرح بسؤاله الجوهري: "هل نحن أمام تشريع ينهي المشاكل العالقة، أم أننا ما زلنا نراوح مكاننا؟".
 
هذا التساؤل اصطدم بجدار من "السرية" التي انتقدتها الكاتبة الصحفية كريمة كمال، مستنكرة غياب الحوار المجتمعي الحقيقي. وبنبرة استهجان، تساءلت كمال: "أين هو هذا الحوار؟ نحن المجتمع، فمتى حدث ذلك؟"، وهو ما قابله تعليق ساخر من عزة سليمان، رئيسة مجلس أمناء المؤسسة، واصفة ما جرى بأنه "المجتمع الخاص بهم".
 
وكشفت كمال عن واقعة تعكس هذا التعتيم، حيث رفض أحد النواب تزويدها بالمسودة بدعوى أنها "سرية"، معقبة بسخط: "كيف يكون القانون الذي سيسري علينا سرياً وغير متاح للنقاش؟". وأرجعت هذه الضبابية إلى رغبة الحكومة والكنيسة في تجنب الصدامات، نظراً لأن الجميع يعلق آمالاً عريضة على أن القانون هو "المنقذ".
 
فخ التعقيد.. من "نص الإكليل" إلى الزواج المبكر
القراءة النقدية للمواد المسربة كشفت عن مخاوف موضوعية؛ حيث انتقدت كريمة كمال تحويل "الخطوبة" إلى إجراء معقد يشبه الزواج في فسخه، قائلة: "بدلاً من تيسير الزواج، عقدوا الخطوبة أيضاً".
 
من جانبه، طرح المفكر كمال زاخر تساؤلات قانونية حول "رجعية القوانين"، محذراً من استثناء القضايا المنظورة حالياً في المحاكم من تطبيق القانون الجديد، مما يترك آلاف الأسر في نفق مظلم ويؤدي لـ "كوارث مجتمعية". كما أبدى استياءه من مادة تسمح بالزواج في سن الـ 18 بموافقة الولي، متسائلاً كيف يؤتمن شخصاً لم تكتمل إرادته العاطفية على بناء أسرة، ثم نحاسبه لاحقاً؟
 
البعد النفسي
لم يقتصر النقد على الجانب القانوني، بل امتد للأثر النفسي؛ حيث ترى المعالجة النفسية مي الخراط أن المشروع يكرس لشعور "العجز المكتسب" لدى المواطن المسيحي، الذي يجد نفسه مسلوب الأهلية أمام القيادات الدينية في قرارات مصيرية كالاختيار أو الانفصال. وانتقدت الخراط غياب دور الخبراء النفسيين في قضايا الحضانة والتطليق، رغم ترحيبها بتعديل ترتيب الأب في الحضانة للمركز الثاني.
 
مكاسب المواريث 
على الجانب الآخر، رصدت المحامية الحقوقية هدى نصر الله نقاطاً مضيئة، أهمها تفعيل النص الدستوري الذي يمنح المسيحيين حق الاحتكام لشرائعهم، مما يمنع رفض طلباتهم بدعوى "مخالفة النظام العام". كما أشادت بإقرار المساواة في المواريث بين الذكر والأنثى.
 
إلا أن نصر الله توقفت عند شروط "الانحلال المدني"، منتقدة اشتراط مرور ثلاث سنوات من الفرقة لإثبات استحالة العشرة، متسائلة: "لماذا لا تكون سنة واحدة؟ وكيف ستثبت هذه المدة؟ هل عبر محاضر الشرطة أم عبر (أب الاعتراف)؟". كما هاجمت اشتراط "شهادة خلو الموانع" الكنسية، معتبرة أنها أداة لللتدخل في تفاصيل تعبد الافراد وممارساتهم الدينية كشرط للزواج.
 
انتهى النقاش بضرورة ملحة: لا يمكن تمرير قانون يمس خصوصيات الملايين في "غرف مغلقة". فبينما يمثل المشروع خطوة نحو الاستقلال التشريعي، إلا أن نصوصه الحالية تحتاج إلى مراجعة شاملة تضمن "العدالة الناجزة" وتتسق مع واقع الأسر المسيحية بعيداً عن الوصاية والتعقيد.