بقلم الأب يسطس الأورشليمى
يقول يعقوب الرسول: "لكن كل واحد يُجَرِّب إذا انجذب وانخدع من شهوته. ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطيّة، والخطيّة إذا كملت تنتج موتًا" (يع 1: 14).

أ. الانجذاب والانخداع: يقوم عدو الخير بإثارتنا بمثيرات داخلية وخارجيّة كثيرة بلا حصر، من لذات جسديّة وملذات العالم وكراماته وأحزانه. هذه المثيرات مهما اشتدت ليست لها قوة الإلزام بل الخداع لكي ما يخرج الإنسان من حصانة الله، ويفلت من بين يديه، منجذبًا ومنخدعًا وجاريًا وراء الخطيّة.

يؤكد ربنا يسوع المسيح قائلاً: "خرافي تسمع صوتي... ولا يخطفها أحد من يدي" (يو 10: 27-28)، أي لا توجد قوة مهما بلغت يمكن أن تخطف نفس المؤمن الذي يسمع لصوت الرب ويتبعه، أما إن امتنع المؤمن عن الاستماع لصوت الرب وقَبِلَ باختياره الإنصات إلى صوتٍ آخر، للحال ينخدع وينجذب من دائرة الرب إلى دائرة الخطيّة.

من يُقبِل إلى الرب لا يخرجه خارجًا (يو 6: ٣٧)، إذ هو الباب إن دخل به أحد يخلص ويجد مرعى (يو ١٠: ٩)، ولكن إن شاء الخروج عن الرب، فلا يلزمه الرب بالبقاء، عندئذ ينطلق من عناية الله تجاه خداعات العدو.

ب. الحبل: يُشبِّه الرسول الشهوات بامرأة زانية تجذب إليها الإنسان وتخدعه. وإذ يقبلها ويتجاوب معها يتحد بها فتحبل. "ثم الشهوة إذا حبلت..." أي تكون كالجنين الذي ينمو يومًا فيومًا، الذي هو الخطيّة.

ج. الولادة: وإذ يكتمل نمو الجنين تلد ابنًا هو "الموت"، لأن الخطيّة تحمل في طياتها جرثومة الموت.

تحدَّث كثير من الآباء عن هذه المراحل الثلاث. فيطالبوننا أن نصارع الخطيّة في طورها الأول وهي تحاول أن تخدع حيث لا سلطان لها علينا، ويمكننا برشم علامة الصليب وبصرخة خفيفة داخليّة تجاه الرب أن نتخلص منها. أما إذا تركنا الخطيّة لتتعدى الطور الأول إلى الثاني حيث نقبلها ونرضيها. فإن إرضاءنا لها– مهما كان إغراؤها– هو بإرادتنا ونحن مسئولون عنه.

هذا ما يؤكده القديس مرقس الناسك[28] قائلاً يأنه لا يمكن أن تسيطر علينا خطيّة فجأة، لكن إما أننا سبق أن قبلناها بإرادتنا، أو قبلنا خطيّة مشابهة لها أو باعثة لها. فمثلاً لا تسيطر أفكار شهوة على إنسان عفوًا، اللهم إلاَّ إذا كان قد سبق أن ترك لأفكاره العنان بإرادته يتلذذ بها، أو سقط بإرادته في الكبرياء والعجرفة وحب الظهور الذي يُوَلِّد السقوط، أو سقط في الغضب بإرادته حيث تنزع عنه نعمة الله، أو أتخم معدته وتلذذ بالنَّهم.

إذن يليق بنا أن ندرك مراحل الخطيّة الثلاث (الانجذاب لها، التلذذ بها، تنفيذها) حتى نحاربها بالرب يسوع منذ بدايتها. وهذا أكثر أمانًا لنا. وقد تحدث القديس أغسطينوسعن هذه المراحل الثلاث فقال:

[الخطية تكمل على ثلاث مراحل:
أ. إثارتها (الانجذاب لها والانخداع بها[29]).
ب. التلذذ بها (الحبل بها).
ج. إرضاؤها (الولادة).

تحدت الإثارة عن طريق الذاكرة أو الحواس كالنظر أو السمع أو الشم أو التذوق أو اللمس. فإن نتج عن هذا لذة لزم ضبطها. فلو كنا صائمين، فبرؤيتنا الطعام تثور شهوة التذوق، هذه الشهوة تنتج لذة. فعلينا ألاَّ نرضيها بل نضبطها إن كان لعقلنا – الذي يمنعنا من إرضائها – السيادة. أما إذا أرضيناها فستكون الخطيّة قد كملت في القلب فيعلم بها الله ولو لم يعلم بها البشر.

إذن هذه هي خطوات الخطيّة: تتسلل الإثارة بواسطة الحواس الجسدانيّة كما تسللت الحيّة في إثارة حواء، لأنه حيث تسربت الأفكار والتصورات الخاطئة إلى نفوسنا تكون هذه نابعة من الخارج من الحواس الجسديّة. وإن أدركت الروح أي إحساس خفي عن غير طريق هذه الحواس الجسديّة، كان هذا الإحساس مؤقتًا وزائلاً، فتسلل هذه التصورات إلى الفكر في دهاء الحيّة...

وكما أن للخطيّة مراحل ثلاث أي الإثارة واللذة والإرضاء، هكذا تنقسم الخطيّة إلى ثلاثة أنواع:
أ. خطيّة القلب (لم تنفذ عمليًا).
ب. خطيّة بالعمل.
ج. خطيّة كعادة.

وهذه الأصناف الثلاثة تشبه ثلاثة أموات:
أ. الميت الأول كما لو كان في المنزل ولم يُحْمَل بعد، وذلك عند إرضاء الشهوة في القلب (وهو صبية صغيرة).
ب. الميت الثاني كما لو كان قد حُمِل خارج المنزل، وذلك عندما يبلغ الرضا حد التنفيذ (وهو شاب أكبر من الصبية).
ج. الميت الثالث كما لو كان في القبر قد أنتن، وذلك عندما تكون الخطيّة قد بلغت حد العادة (وهو رجل أكبر من الشاب).
          ونرى في الإنجيل أن الرب أقام هذه الأنواع الثلاثة من الأموات مستخدمًا عبارات مختلفة عند إقامتهم. ففي الحالة الأولى قال: "طليثا قومي" (مر ٥: 41). وفي الثانية: "أيها الشاب لك أقول قم" (لو٧: ١٤). وأما في الثالثة فقد انزعج بالروح وبكى وبعد ذلك صرخ بصوت عظيم "لعازر هلم خارجًا" (يو ١١: ٣3-4٤).]