بقلم الأب يسطس الأورشليمى
ما هي نظرة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لتعبير التجديد الكنسي؟
مَن الذي يتجدد الكنيسة أم العالم في حياة جديدة في المسيح؟!
كيف ينعم الإنسان بالحياة الجديدة؟ هل تتجدد بغير انقطاع؟!
هل يتم التجديد على المستوى الفردي أم الجماعة الكنسية؟
هل الحياة الكنسية التقليدية عائقاً في تجديدها المُستمر؟!
أن كلمة: تجديد يخص الحياة الأخرى، ففي حديث المسيح مع تلاميذه: الحقّ أقول لكُم إنكُم أنتُم الذين تبعتمُوني في التجديد، متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده، تجلسُون أنتُم أيضاً على اثني عشر كُرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر (مت28:19)، فالكنيسة ليست هي التي تّتجدّد بل العالم يدخل إلى التجديد بتمتعه بالحياة الجديدة في المسيح يسُوع، وعودته إلى ما كان عليه من مجد، أي أن الكنيسة في جوهرها الحياة الجديدة التي لا تشيخ، خلالها يدخل كُل إنسان إلى الحياة الجديدة..
التجديد بالرُوح القدُس، وهو قبُول عمل المسيح فينا، أي الخلاص الذي ننعم به في المعمودية، فنصير أبناء الله..
التجديد الذهني، إذ يتجدّد الذهن بالتوبة، فيرفض ماضيه لينطلق إلى حياة جديدة، خلال اعترافه بضعفه وقبوله المسيح..
تجديد الكنيسة التي تحمل تيار الرُوح القدُس العامل فيها كحياة نامية خلاله نحافظ على الماضي، كما نبني عليه حلولاً للمشاكل المعاصرة..
تجديد الخليقة، أي الكون كُله بمجيء المسيح الثاني، فننعم بالسماء الجديدة، والأرض الجديدة، راجع (رؤ1:21)..
الحياة الكنسية في حقيقتها هي حياة الشركة مع الله خلال الاتحاد مع المسيح بواسطة الرُوح القدُس، بمعنى عمل الرُوح القدُس الناري في الإنسانية المُتجدّدة لتدخل إلى كمال المجد بالمسيح يسُوع، هذا الرُوح الناري لا يعرف الخمول، لكنه هُو الرُوح الدائم العمل، ينمو بالكنيسة من كُل جوانب حياتها، لكي تصل إلى ملء قامة عريسها..
الرُوح القُدس واهب الشركة مع الله، ومانح الحياة الجديدة في المسيح، يعمل في الحياة الكنسية لتكون دائماً مُتجدّدة، على مستوى الجماعة وعلى مستوى الفرد، يعمل دائماً في حياة الكنيسة الكرازية والتعليمية والتعبدية، لتحيا الكنيسة في نمو دائم بغير انقطاع..
يُوجد تكامل بين التجديد الجماعي والمُستمر في حياة الأعضاء، فالحياة الكنسية إنما هي حياة العروس ككُل دون تجاهل أو ابتلاع لحياة كُل عضو فيها، كُل نمو في حياة الجماعة يستلزم النمو في حياة الأعضاء، وتكونون لي شعباً وأنا أكون لكُم إلهاً (حز28:36؛ إر33:31)..
هُناك فارق بين العلاقة الشخصية السرية بين النفس والمسيح، والعلاقة الفردية الانعزالية، الأولى علاقة خاصة حيّة يُؤكدها رُوح الجماعة يُغذيها، ويُثبتها، وينميها، أما الثانية فهي تدفع إلى الانحراف وتُحطم الجماعة ... الأولى تتكامل مع الحياة الجماعية وتسند أحدهما الأخرى، حتى إن كان راهباً متوحداً، يستطيع في خلوته أن يُصلّي باسم الجماعة كُلها بقلبٍ متسعٍ بالحب، يحمل لا الكنيسة بل والخليقة جميعها في قلبه ليقدمها لله..
إنه يتألم مع كُل متألم، يضعف مع كُل مَن يضعف، ويفرح لنمو كُل عضو، العابد الحقيقي يتلامس مع مُخلّصه بطريقة سرية خفيه، ولا تقف الجماعة عائقاً له بل سنداً ومُعيناً يتفاعل معها وهي معه، وكما يقول الرسُول: مَن يضعف وأنا لا أضعف؟ مَن يعثر وأنا لا ألتهب؟
إن ما يدعونه تجديداً إنما تُسمّيه الكنيسة حياة التوبة، التي هي بحقّ معمودية ثانية خلالها ينعم الإنسان بنعمة عمل الرُوح القدُس فيه، إنما يلزم للمُؤمن في توبته مع مُخلّصه أن يدخل إلى حياة الشركة مع الله خلال الكنيسة التي تسنده في توبته المُستمرة ويعمل هو أيضاً فيها!! وتوبته هذه الشاملة تفتح له باب التوبة اليومية من أجل كُل ضعف يلحق به، مشتهياً بالرُوح أن ينطلق من مجد إلى مجد..
تحمل هذه النظرة اعتدالاً دون تطرف، فنحنُ ننمي علاقتنا الشخصية مع مُخلّصنا في نفس الوقت الذي فيه ننمو في حياتنا الكنسية، التي في جوهرها هي حياة شركة مع الله في ابنه بواسطة الرُوح القُدس، فتتفاعل العلاقة الشخصية مع الحياة الجماعية بغير تطرفٍ..
إن كان الكثيرون لا يقبلون تعبير التجديد الكنسي، لأنه يُفهم بأنه ثورة على كُل ما هو قديم، وقبول كُل ما هو جديد، لكننا ككنيسة نعتز بالقديم ليس من أجل قدمه، ولا نتقبله بطريقة جامدة مُتحجرة، فالجديد يتكيء على القديم ويبقى القديم حياً بروحه، ويكون للجديد أصالة وقوة! والكنيسة التي قبلت الرُوح القدُس إنما قبلته حياً فيها يعمل عبر كُل الأجيال دون توقف، يعطيها حياة نامية دائمة التجديد، إنجيلها وإيمانها لا ينحرفا..
أن التجديد الحالي هو عودة إلى الكنيسة الأولى قبل الانقسام، عودة لا في الشكل، وإنما في الرُوح والفكر والحياة، فتتقبل إنجيلها كما فهمته وعاشته في الشرق والغرب، وتُمارس عبادتها بروحها الخشوعي التقوي، وتسلك وتنعم بسماتها ككنيسة منفتحة على العالم، تكرز خلال الحب:
كُل كاتبٍ مُتعلّمٍ في ملكوت السماوات يُشبه رجُلاً رّب بيتٍ يُخرج من كنزه جُدداً وعُتقاء، وليس أحدٌ إذا شرب العتيق يُريد للوقت الجديد، لأنه يقول: العتيق أطيب، راجع (مت52:13؛ لو39:5)..
يسيء البعض تفسير عبارة الرسول: أنسى ما هو وراء وامتد إلى ما هو قدام، هذه الكلمات تخص أعمال الإنسان القديم ينساها ولا يرتبك بها منشغلاً بعمل الله الجديد في حياته، مُتطلعاً برجاء نحو جعالة الله العليا، وكأفراد يلزمنا أن ننسى ما لنا من جهاد ماضي حتى لا نسقط في البر الذاتي، لنتقبل عوناً في جهادنا الحاضر من أجل الحياة الأبدية، أما قوله: فإذ قال جديداً عتق الأول، وأما ما عتق وشاخ فهو قريبٌ من الاضمحلال، ينصب على حرفية الناموس والعبادة اليهودية، فقد دخلنا إلى العهد الجديد بالروح الذي يبني عوض الحرف القاتل، لا في الحرف المميت بل خلال الرُوح المحيي المجدد، فالكتاب المقدس قديم وجديد، قديم في استلامنا له، جديد في كُل يوم في خبرتنا معه وفاعليته التي لا تشيخ ولا تقدم..
راجع الكتاب (رو6:7؛ في13:3؛ عب13:8)..





