مدحت قلادة
بدأتُ منذ سنوات كتابة سلسلة «عظماء نشطاء الأقباط»، فكتبت عن الرواد الأوائل الذين حملوا همَّ الوطن والكنيسة والإنسان، أمثال الدكتور شوقي كراس، والدكتور سليم نجيب، والمهندس عدلي أبادير، والكيميائي ألفونس قلادة. هؤلاء كانوا بحق جيل العظماء والرواد، ثم واصلت الكتابة عن شخصيات قبطية وطنية بارزة في مختلف قارات العالم، وكان من بينهم من أستراليا الأستاذة الفاضلة نادية غالي.

واليوم أكتب عن إنسان نبيل، وملاك يعمل في صمت، يبذل الجهد بمحبة وإخلاص في العمل القبطي والوطني، وهو المهندس مجدي ميخائيل، أحد الوجوه المشرفة للجالية المصرية القبطية في أستراليا.

ولد المهندس مجدي سعد ميخائيل بمحافظة الأقصر في السابع من يونيو عام ١٩٤٨، وتخرج في كلية الهندسة والتكنولوجيا بجامعة حلوان حاصلاً على بكالوريوس الهندسة الكهربائية. وبعد تخرجه تم تكليفه بالعمل مهندساً بوزارة الثقافة، ثم التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية ضابطاً برتبة ملازم أول احتياط، حيث قضى قرابة خمس سنوات في خدمة الوطن، مقدماً نموذجاً مشرفاً للمواطن المصري المخلص.

وبعد انتهاء خدمته العسكرية عمل في مجال البترول بإحدى دول الخليج لسنوات عديدة، قبل أن يهاجر مع أسرته إلى أستراليا عام ١٩٨٧، ليبدأ رحلة جديدة من النجاح والعطاء.

في أستراليا أثبت المهندس مجدي كفاءته وتميزه، فعمل مهندساً ومهندساً أول في كبرى شركات الاتصالات الأسترالية والكندية، كما عمل مساعد محاضر في قسم الكهرباء وعلوم الكمبيوتر بجامعة نيو ساوث ويلز. ولم تكن نجاحاته المهنية إلا انعكاساً لشخصيته الجادة والمنظمة والمخلصة في كل ما يقوم به.

وقد تم اختياره عام ١٩٩٠ ليكون “Justice of Peace” أو «قاضي سلام»، وهي مهمة رفيعة تتعلق باعتماد وتوثيق المستندات والمعاملات الرسمية، الأمر الذي يعكس حجم الثقة والاحترام اللذين حظي بهما داخل المجتمع الأسترالي.

كما انضم إلى نادي الروتاري العالمي – فرع سيلفانيا بسيدني – عام ١٩٩٦، وانتُخب بالإجماع رئيساً للنادي لدورتين متتاليتين، تقديراً لنشاطه وخدماته المجتمعية والإنسانية. ولم يكن غريباً بعد ذلك أن يحصل على ميدالية “Paul Harris Fellow” العالمية عام ٢٠٠٩، تقديراً لعطائه في خدمة المجتمع وتشجيعه للبحث العلمي والطبي.

وفي عام ٢٠٠٤ حقق المهندس مجدي إنجازاً وطنياً لافتاً، عندما أصبح أول مصري ومن أوائل أبناء الجاليات غير الأنجلوساكسونية الذين يفوزون بعضوية المجلس المحلي لمدينة سازرلاند في سيدني ممثلاً عن حزب الأحرار. وخلال فترة عمله من عام ٢٠٠٤ حتى ٢٠٠٨، قدّم نموذجاً مشرفاً للمسؤول النزيه النشط، حتى نال احترام جميع أبناء دائرته الانتخابية، الذين عبّر كثير منهم عن تقديرهم له برسائل الشكر في الصحف المحلية والرسائل الخاصة.

ولا يستطيع أحد أن يشكك في وطنية المهندس مجدي ميخائيل، أو في حبه العميق لمصر، هذا الحب الذي زرعه أيضاً في ابنتيه اللتين نشأتا خارج الوطن، لكنهما ظلتا مرتبطتين بهوية مصر ووجدانها.

ومن مواقفه الوطنية المشرفة أنه خاطب رئيس الوزراء الأسترالي الأسبق Scott Morrison عام ٢٠٢١، مطالباً بالتدخل السياسي لحل أزمة سد النهضة، دفاعاً عن حق مصر التاريخي في مياه النيل. كما وجّه رسالة إلى الرئيس الروسي Vladimir Putin عام ٢٠٢١، يناشده فيها التدخل لتفادي الآثار الكارثية المحتملة على مصر بسبب الأزمة ذاتها.

وكان دائماً يقف ضد كل ما يسيء إلى الدولة المصرية أو يشوه صورتها، مدافعاً عن الحقيقة وعن استقرار الوطن، كما شارك في لقاءات رسمية عديدة مع المسؤولين الأستراليين لتوضيح حقيقة ما جرى في مصر عقب ثورة ٣٠ يونيو، رافضاً محاولات تصوير إرادة الشعب المصري على أنها انقلاب عسكري.

ورغم انشغاله ومسؤولياته، ظل المهندس مجدي حاضراً بقوة في قضايا الأقباط، مهموماً بمعاناتهم، مدافعاً عن حقوقهم، ولكن دائماً بأسلوب راقٍ ومهذب يعكس روح المسيحية الحقيقية، بعيداً عن الإساءة أو التطرف أو الكراهية. فهو يطالب بالحق بكرامة واحترام، ويؤمن أن قوة الكلمة الصادقة الهادئة أعمق أثراً من أي انفعال.

والحق أن كل من يعرف المهندس مجدي ميخائيل يلمس فيه دماثة الخلق، ونقاء القلب، وصدق الوطنية. فهو إنسان متواضع، شجاع في الحق، صادق في مواقفه، محب للجميع، يحمل قلباً كبيراً يتسع للوطن والناس والخدمة.

إنه نموذج للمصري القبطي الوطني الذي يعتز بمصريته وإيمانه في آن واحد، ويقدم صورة مشرقة للأقباط في المهجر، صورة الإنسان الناجح والمخلص والوفي لوطنه وجذوره.

أخي العزيز المهندس مجدي ميخائيل،
الرب يبارك حياتك وخدمتك وكل تعبك ومحبتك وعطاءك. فرغم ما تتحمله من متاعب جسدية، ما زالت حياتك مثالاً للبذل والخدمة والعمل الوطني الصادق.

دمتَ لمصر، ودام عطاؤك للأقباط، ودام حضورك المشرف بين أبناء وطنك.

الفخور بك والمحب لك
مدحت قلادة