الله والواسطة: حين يتحوّل الخلاص إلى محسوبية سماويّة
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في مصر، معروف أنّ الواسطة فساد إداريّ، لكن يمكن أيضًا النظر إليها على أنّها طريقة كاملة لفهم مجتمع معيّن. الناس تعرف أنّ القانون وحده لا يكفي، وأنّ "المعرفة" أهمّ أحيانًا من الاستحقاق، فالسؤال الحقيقي هنا هو "تعرف مَن؟". ومع الوقت، لا يبقى هذا المنطق في السياسة أو الوظائف أو المصالح الحكوميّة فقط، ولكنه يتسرّب أيضًا إلى المخيال الشعبي الدينيّ نفسه.
وهنا يبدأ الهبد اللاهوتيّ.
فجأة، يتحوّل الله في المخيال الشعبيّ إلى "صاحب نفوذ كبير"، والقدّيسون إلى أصحاب علاقات، والصلاة إلى طلب خدمة، والبركة إلى نوع من "تسهيل الأمور". ونسمع عبارات مثل: "القدّيس فلان ظبّطها"، "العذراء عملت الواجب"، "عندي واسطة في السما"، "ربنا كرمني علشان فلان صلّى لي". وكأنّ السماء نفسها تعمل بمنطق المكاتب الحكوميّة: مَن له معارف أكثر يحصل على أكثر.
طبعًا، في الظاهر يبدو الكلام بسيطًا وتعبيرًا شعبيًّا عن الإيمان. لكن المشكلة أعمق بكثير. لأنّ الإنسان هنا لا يعود يرى الله أبًا، بل سلطة عليا تُدار بالعلاقات. وتتحوّل الصلاة تدريجيًّا من علاقة وثقة إلى محاولة للوصول إلى "الشخص المؤثّر" الذي يسهّل الأمور. وهكذا، بدل أن يتغيّر المجتمع على ضوء الإنجيل، يُعاد رسم صورة الله نفسها على صورة المجتمع الفاسد. لكن المسيحيّة في جوهرها تهدم هذا المنطق بالكامل. فيسوع نفسه لم يقدّم الله بوصفه إله المحسوبيّات، ولكنّه قدّم الآب بوصفه مَن «يُشرق شمسه على الأشرار والصالحين». والإنجيل نفسه يصدم طريقة تفكير الاستحقاق والوساطة الاجتماعيّة باستمرار. ففي مثل العمّال في الكرم، يأخذ مَن جاء في الساعة الأخيرة الأجر نفسه، لا لأنّ عنده "معرفة"، ولكن لأنّ العطيّة نعمة. وفي رسائل العهد الجديد يتكرّر الكلام عن أنّ الله «لا يحابي الوجوه»، أي لا يعمل بمنطق الطبقات والعلاقات والنفوذ.
حتّى مفهوم شفاعة القدّيسين، الذي يفهمه كثيرون شعبيًّا كأنّه "واسطة" عند الله، يختلف تمامًا عن هذا التصوّر. فالشفاعة في الفهم المسيحيّ ليست التفافًا على الله، ولا محاولة لاستعطاف إله متردّد أو مشغول عبر شخص مقرّب منه، ولكنّها تعبير عن شركة المحبّة داخل جسد المسيح الواحد، تعبير عن شركة الأحياء والأموات. الفرق هائل بين شركة روحيّة وبين محسوبية سماويّة.
المشكلة إذًا ليست في الإيمان بالشفاعة، ولكن في العقل الذي يترجمها بمنطق الفساد الاجتماعيّ نفسه. العقل الذي لا يستطيع تخيّل علاقة بالله خارج منطق: مَن يعرف مَن؟ ومَن له مكانة؟ ومَن يستطيع "يمشّي الأمور"؟
والأخطر أنّ هذا التصوّر يدمّر معنى النعمة نفسها. لأنّ النعمة في المسيحيّة ليست "استثناء" يمنحه الله لأصحابه، ولكنّها عطية مجانيّة يقدّمها للجميع من دون استثناء. وحين تتحوّل العلاقة بالله إلى شبكة علاقات ونفوذ، يصبح الإيمان نفسه انعكاسًا للبنية الاجتماعيّة المريضة بدل أن يكون نقدًا لها.
ولهذا، فالسؤال اللاهوتي الحقيقيّ: كيف وصل بنا الأمر أن نتخيّل الله بعقليّة الموظّف الكبير؟ وكيف تحوّل الإيمان أحيانًا من علاقة حرّة مع الله إلى محاولة للوصول إلى "مكتب الختم النهائي" في السماء؟
المسيحيّة لا تعلن إلهًا يحتاج إلى مَن يعرّفنا به، ولكن إلهًا اقترب بنفسه، وصار إنسانًا، وكسر الحواجز التي يصنعها البشر. ولهذا، فالإنجيل لا يقدّم الخلاص بوصفه خدمة خاصّة لكبار الشخصيّات الروحيّة، ولكن دعوة مفتوحة للجميع.
وربّما لهذا، فالهبد الدينيّ الحقيقي يبدأ حين نؤمن بالله… لكن بعقليّة موظّف في مصلحة حكوميّة.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





