أحمد الخميسي
هناك هيمنة اقتصادية يخضع بموجبها اقتصاد بلد معين لتوجهات وأرباح بلد آخر، هناك أيضا هيمنة عسكرية، لكن الكاتب الأمريكي المعروف هربرت شيلر يبحث في الهيمنة الثقافية التي يفرضها الغرب بفضل ما لديه من تكنولوجيا الاتصالات ووكالات الأنباء العالمية وشركات الاعلانات الضخمة، والأخبار، والصور، والأفلام، والموسيقا.
ويحدث ذلك كله تحت شعار التدفق الحر للمعلومات. ويولي الكاتب اهتمامه لذلك البعد الثقافي خاصة في مخططات الهيمنة الأمريكية. ويقول في كتابه " الاتصال والهيمنة الثقافية " : " تخيل للحظة أن كل خبر تقرأه، وكل فيلم تشاهده، وكل إعلان يمر أمام عينيك، ليس مجرد محتوى عابر صُنع للتسلية أو الإعلام فحسب، بل هو جزء من معركة شرسة وغير مرئية تدور رحاها على عقول البشر ووعيهم الجمعي".
وقد سبق أنطونيو جرامتشي الجميع إلى طرح فكرة الهيمنة الثقافية ضمن مجلداته الشهير " دفاتر السجن" وبين فيها أن الطبقة لكي تحكم ليست بحاجة فقط إلى السلاح ، لكنها بحاجة أيضا إلى التحكم في الوعي عبر المدارس والصحافة والاعلام والأدب والفن والدين والأسرة ، إذ أن هذه المؤسسات تغرز وتثبت الأفكار والقيم السائدة وتُربي الناس على قبول النظام الاجتماعي، وأبسط مثال على ذلك ما تروجه ثقافة تلك المؤسسات من أن سبب الفقر الوحيد هو كسل الأفراد، ومن ثم يتوقف الناس عن التفكير في في أسباب اقتصادية أو سياسية أعمق للفقر. توفي جرامشي عام 1937، ثم عاد هربرت شيللر بعد نحو أربعين عاما، في 1976 إلى مفهوم الهيمنة لكن في وضع جديد مع حداثة الانفجار الرقمي والمعلوماتي ووسائل الاتصال والانترنت.
ويربط الكاتب بقوة بين حركة الاقتصاد العالمي خاصة الأمريكي وبين الهيمنة الثقافية، ويقول إنه لم يكن من قبيل المصادفة ذلك التزامن التاريخي بين صعود أمريكا كقوة اقتصادية عسكرية وبين سياسة ما سمي بالتدفق الحر للمعلومات، حيث تلازمت حرية رأس المال وحرية تدفق المعلومات وأصبحت السيطرة على وسائل الاتصال تمنح التجارة العالمية قدرة هائلة على مراقبة الأسواق وتسهيل أعمالها وأرباحها. ويستخدم هربرت شيلر تعبير الامبريالية الثقافية قائلا : " إنها العمليات التي يتم بها إدخال مجتمع ما إلى النظام العالمي، وكيف تتم استمالة الطبقة السائدة فيه والضغط عليها واجبارها ورشوتها كي تشكل المؤسسات الاجتماعية متسقة مع أهداف المركز المهيمن.. وعلى نحو مماثل فإن طابع وتنظيم التعليم مفروض عليه أن يتوافق مع متطلبات الشركات متعددة الجنسية بحيث يخرج التعليم عمالا مهرة ومدراء تحتاجهم تلك الشركات". ويضرب الكاتب مثالا بأوضاع بلدان أمريكا اللاتينية قائلا : " إن آثار الهيمنة أو التبعية الثقافية على حياة البشر في أمريكا اللاتينية ليست فقط نتيجة لعملية غزو يقودها أجنبي، لكنها تمثل بنفس الدرجة اختيارا تقوم به الطبقة الحاكمة في تلك البلدان باسم التنمية الوطنية ". في كل الأحوال كتاب ممتع يثير الكثير من القضايا المهمة ترجمه إلى اللغة العربية وجيه سمعان عبد المسيح.
نقلا عن الدستور





