بقلم الأب يسطس الأورشليمى
يصور البعض قيامة الرّب يسُوع من الموت بأنها معجزة أكثر من الخيال، هل معجزة أن يقوم مَن أقام الموتى؟!
في الحقيقة إن انتصار المسيح على الموت في موقعة الجلجثة لم يكن الانتصار الأول له، فقد سبقتها انتصارات كثيرة في معارك ضارية، فهل ننسى يايرس الذي جاء إلى الرّب يسُوع والدموع تنساب من عينيه على خديه، إذ أن ابنته الوحيدة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وبينما يايرس يتكلّم جاء واحد من دار رئيس المجمع قائلاً له: قد ماتت ابنتك..
تهالك يايرس على الأرض باكياً، ولكن الرّب يسُوع أخذ بيده وربت على كتفه وكفكف دموعه، وقال له: لا تخف، آمن فقط، وانطلق به إلى البيت، وبينما الجموع تبكي وتنتحب، يقول الرّب: لم تمت الصبية لكنها نائمة ... وابتسم البعض ابتسامة السخرية والتهكم، دون أن يعلموا إنه رّب الحياة، فليس عجيباً أن يقول: يا صبية قومي (لو54:8)..
وفي يوم من الأيام التقى الرّب يسُوع مع ملك الأهوال عند أبواب نايين، وكان الضحية شاباً وحيد لأمه، قلبها النابض، وعكازها الوحيد، ونافذة الرجاء التي تطل منها على الدنيا .. أشفق الناس على قلبها المُحطم، ولكنهم أحنوا هاماتهم أمام سُلطان الموت، أما الرّب يسُوع فأبى إلا أن ينتزع الفريسة من فم الجبار، وقال بصوت أمر مقتدر: أيها الشاب لك أقول قُم (لو14:7)، وعاد ملك الأهوال ليُجرب حظه من جديد، وكان في هذه المرة قد أطبق على الفريسة بقبضة من حديد، فالميت قد أنتن إذ كان له أربعة أيام في القبر، وتمت مراسيم العزاء، ولكن ها هُو رّب الحياة يأتي، ويُعلن بكُل قوة وسلطان قائلاً: أنا هُو القيامة والحياة، مَن آمن بي ولو مات فسيحيا، وكُل مَن كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد، وعند قبر لعازر وسط الجموع الغفيرة وبصوت عظيم يُنادي: لعازر هلُم خارجاً، ألم يسطر الوحي: كما أن الآب يُقيم الأموات ويُحي، كذلك الابن أيضاً يُحي مَن يشاء (يو21:5)..
على أن أعظم تلك المعارك جميعاً كانت معركة الصليب..
كيف لا؟! وقد اقتادوا سيدي إلى محكمة ظالمة غادرة تتسم بالجهل، والحقد، والأنانية، وانتهت بصليب الجلجثة..
وقتها قالوا: وصلنا للنهاية .. انتهت الرواية .. تحققت الغاية .. أسدل الستار.. ضُرب الراعي، وتشتت القطيع!! يومها بدأ الموت، وكأنه انتصر على الحياة، وبدأ الظلام وكأنه أدرك النور..
ولكن كيف يمكن أن يكون الصليب والقبر نهــــاية؟!
هل يصمت القلب الكبير النابض بالحب والحنان؟!
هل ينتصر الظلام على النور؟ هل تضيع الحياة؟!
ماذا حدث؟! أيكون القبر نهاية مثل هذه الحيـــــاة؟!
أين العدل؟ أيموت الحقّ؟ هل حقاً مــــــــات سيدي؟!
هل يموت رّب الحيــــــــــــــاة؟ هل يهزم الحقد الحب؟!
لا وألف لا، إنما سيدي دخل القبر، ليُحارب الموت في عرينه، فيصرعه ويبطل قوته، وينزع شوكته، قد تحرس المظالم باب الرجاء لتسجن نور الحقيقة عن الظهور، لكن صبراً فهذا الحجر الذي أرادوه سداً منيعاً جعله الفادي المُقتدر بُرجاً شامخاً، أرادوه حجر عثرة في طريق الحقّ، فإذا برّب الحقّ يجعله حجر زاوية في بنائه الشاهق..
ما أعجب تفكيرك أيها الإنسان، هل من المنطق أن يقف الحجر حائلاً أمام صخر الدهور؟ هل يُعقل أن يمنع الحُراس الشمس من الشروق؟!
لقد عاد جيش الموت مدحوراً، واقبل رّب الحياة رافعاً لواء الغلبة ظافراً منصوراً هاتفاً: أين شوكتك أيها الموت، أين غلبتك أيتها الهاوية، لقد ابتلع الموت إلى غلبة، ودقت نواقيس النصر، وعلا هتاف الملائكة:
المسيح قام .. بالحقيقة قام..
حزن التلاميذ حينما صُلب رّب المجد، وانقطع رجاؤهم، ومن الحُزن نسوا النبوات، ونسوا أحاديثه عن القيامة، ولكن عندما سطعت أنوار القيامة، سرت في التلاميذ الفرحة الداخلية، وانطلقت نفُوسهُم بالرجاء..
كان فرحهُم بالقيامة فرحاً سرياً داخلياً تتمتع به النفس وتشبع، دون أن تعبر عنه بكلمات أو تصرفات مُعينة، فرحت نفوسهم وامتلأت سلاماً بعد أن فقدوه، وتبدل خوفهم إلى طمأنينة، رغم الأخطار المُحيطة بهم، إذ قام الرّب من الموت، أقام نفُوسهُم بالرغم من توقعهم الاضطهاد الذي سيقع عليهم، وبالقيامة أقام قوتهم التي تحطمت عند القبض على يسُوع وتسليمه ليصُلب، ففرحهم بالقيامة الباعثة للكرازة..
إذا كان الصلب قد ترك التلاميذ مُحطمي القلوب، فاقدي الأمل خائفين، مرتجفين، هاربين خلف الجدران، حتى لا يكون مصيرهم، مصير الذين تبعوه وكان هُو قوتهم في كرازته، وصانع العجائب، والمعجزات، وأقام الأموات، ولكنه أسلم ذاته للصلب، فانكسرت قلوب التلاميذ لأنهم لم يفهموا خطة الخلاص والفداء التي جاء من أجلها السيد له المجد، فخافوا وهربوا كُل واحد إلى خاصته، ولكن بقيامته تلامسوا مع الصليب وأدركوا مفهومه، وتهيأت قلوبهُم ونفُوسهُم للكرازة بالمصلوب..
خرجوا يشهدون ويكرزون للقيامة في مدينة اليهود غير خائفين من اضطهادهم وتهديدهم..
خرجوا يكرزون بيسُوع الذي مات علناً مصلوباً، وقام من الأموات حسب النبوات، والرموز..
خرجوا يكرزون بوصايا وبمباديء سامية تسمو بالخليقة فوق مستوى المادة تتركز حول الصليب ويصعب على أي إنسان أن يقبلها بدون عطية الرُوح القدُس..
خرجوا ينشرون الكرازة بقوة الرّب القائم من بين الأموات، إلهاً، وفادياً، ورباً، ومُخلّصاً، ودياناً، فالقيامة هيأت التلاميذ للكرازة، وحولت كثيرين إلى كارزين بعد أن كانوا مُضطهدين للكنيسة مثل شاول الطرسوسي..
إن عيد القيامة هُو فخر أعيادنا، ولو لم يكن في المسيحية عيد غير عيد القيامة، لأصبح وحده قادراً أن يحول الحياة كُلها إلى أعياد، فقيامة المسيح مُنتصراً ظافراً على الموت بعد رحلة آلام نفسية وجسدية قاسية، ليُعلّمنا أن طرق الآلام تنتهي بالقيامة والفرح والنُصرة..





