بقلم: مدحت قلادة
“لم أدرس الطب البيطري، لكنني أعرف الحمار من أول نقاش.”
‏— Mark Twain

هناك بشر تكشفهم السنوات، وهناك من يكشفهم أول سطر، وأول جملة، وأول نقاش.
لا تحتاج إلى شهادات عليا، ولا إلى لجان تحقيق، ولا إلى خبرة طويلة حتى تكتشف طبيعة بعض العقول. فالحمار الفكري ــ كما وصفه ساخرًا Mark Twain ــ يحمل بطاقته التعريفية معه دائمًا، ويقدم نفسه بنفسه، غالبًا بصوت مرتفع وثقة مدهشة.

وقد علّمتنا الحياة أن أخطر أنواع الجهل ليس جهل المعلومات، بل جهل الإنسان بنفسه. فالجاهل الحقيقي لا يعرف أنه جاهل، بل يتصور نفسه وصيًا على الحقيقة، ومالكًا حصريًا للعقل، ومفوَّضًا إلهيًا لإدارة البشر وتصنيفهم وتخوينهم وإدانتهم.

وهنا تبدأ الكارثة.

في مجتمعاتنا الشرقية، لم يعد الحمار مجرد شخص محدود الثقافة أو ضعيف الفهم، بل تحوّل أحيانًا إلى مشروع سياسي وديني وإعلامي كامل. يرتدي بدلة مذيع، أو عباءة شيخ، أو ربطة عنق محلل سياسي، أو قناع ناشط أخلاقي، لكنه في النهاية يعاني المرض نفسه: رفض الآخر، وكراهية الاختلاف، والاعتقاد أن العالم خُلق على مقاس أفكاره وحده.

إن أخطر الحمير ليست تلك التي تنهق في الطرقات، بل تلك التي تصعد المنابر.

كم من رجل دين حوّل الإيمان إلى سوط، والله إلى أداة ترهيب، والدين إلى شركة احتكار للحقيقة؟
وكم من داعية تكفيري أقنع أتباعه أن الجنة لا تتسع إلا لهم، وأن الله ــ بكل عظمته ورحمته ــ ينتظر رأيهم قبل أن يقرر من يدخل الفردوس ومن يُلقى في النار؟

هؤلاء لا يناقشون… بل يحاكمون.
لا يفكرون… بل يوزعون صكوك الوطنية والإيمان والخيانة.
لا يرون الإنسان، بل يرون طائفته ودينه واسمه وهويته.

ومن أول نقاش معهم، تكتشف أنك لا تتحدث مع عقل، بل مع جدار مغلق يردد نفسه.

فالمتكبر دينيًا يشبه المستبد سياسيًا؛ كلاهما يخاف السؤال. لأن السؤال بداية الحرية، والحرية هي العدو الأول لكل فكر متحجر. ولذلك نجد التكفيري يكره الفلسفة، ويرتعب من النقد، ويعادي الفن، ويشك في العلم، لأن كل نافذة معرفة تهدد سلطته القائمة على الخوف والطاعة العمياء.

ولعل المأساة الكبرى أن كثيرًا من هؤلاء يقدّمون أنفسهم باعتبارهم حماة الأخلاق والدين، بينما هم في الحقيقة أكبر إساءة للدين نفسه. فالله لم يخلق الإنسان ليكون نسخة مكررة، ولم يمنح أحدًا حق احتكار السماء.

لقد عرف التاريخ متطرفين من كل دين ومن كل أيديولوجيا. فالتكفير ليس حكرًا على جماعة بعينها، بل عقلية كاملة تقوم على إلغاء الآخر. قد يرتدي التكفيري عمامة، أو بدلة عسكرية، أو قميصًا حزبيًا، أو حتى عباءة الحداثة الزائفة. الفكرة واحدة:
“أنا أملك الحقيقة… وغيري لا يستحق حتى أن يتكلم.”

ومن هنا تبدأ صناعة الكراهية.

إن المجتمعات لا تنهار بسبب اختلاف الناس، بل بسبب رفضهم للاختلاف. والحضارات لم تُبنَ يومًا بالعقول المغلقة، بل بالعقول التي تؤمن أن التنوع قوة، وأن الحوار ليس معركة لإعدام الخصم، بل فرصة لفهمه.

لكن الحمار الفكري لا يفهم ذلك.
إنه يظن أن الصراخ دليل قوة، وأن الإهانة انتصار، وأن التعصب ثبات على المبدأ. بينما الحقيقة أن العقل الواثق لا يخشى النقاش، والإنسان المؤمن بحق لا يخاف من رأي مختلف.

لقد رأينا خلال العقود الأخيرة كيف تحولت بعض المنابر الدينية والإعلامية إلى مصانع للكراهية، تنتج يوميًا أجيالًا تخاف من السؤال أكثر مما تخاف من الجريمة، وتكره المختلف أكثر مما تكره الفساد، وتحاسب الناس على أفكارهم قبل أفعالهم.

والمفارقة الساخرة أن هؤلاء يتحدثون كثيرًا عن الله، لكنهم نادرًا ما يتحدثون عن الإنسان.
عن الرحمة.
عن الحرية.
عن الكرامة.
عن حق البشر في أن يعيشوا دون خوف من محاكم التفتيش الحديثة.

إن الإنسان المتحضر لا يُعرف بطول لحيته، ولا بضخامة شعاراته، ولا بعدد النصوص التي يحفظها، بل بقدرته على احترام من يختلف معه.

فالهمجية ليست قلة معرفة، بل قلة قبول للآخر.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة جدًا:
لا يحتاج الإنسان إلى دراسة الطب البيطري حتى يعرف الحمار.
فبعضهم يكشف نفسه في أول نقاش
وبعضهم يكشف نفسه حين يظن أنه يتحدث باسم الله.

اخير ما اكثر الحمير في شرقنا التعيس