د. مينا ملاك عازر
تعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع تصعيد هو الأعنف منذ عقود، حيث تداخلت الطبيعة مع السياسة والعسكر في مشهد جيوسياسي ملتهب. فبينما كانت طهران تستفيق قبل ساعات على وقع **زلزال** هز أركان العاصمة (بقوة لم تتبين أضرارها النهائية بعد)، كان البنتاغون في واشنطن يفرج عن تقرير يتحدث عن "مليارات فارقة" استنزفتها ميزانية المواجهة مع إيران، وهي تكلفة تضع صانع القرار الأمريكي أمام مأزق الاستمرار في استنزاف الموارد أو حسم الموقف.
**الخطة البريطانية: "تنين" ومسيرات لكسر الألغام**
في قلب هذا الغليان، أعلنت لندن رسمياً اليوم عن خطتها لتأمين مضيق هرمز. بريطانيا لم تعد تكتفي بالبيانات، بل دفعت بـ **المدمرة "إتش إم إس دراغون"** (HMS Dragon) ومقاتلات **"تايفون"**، مدعومة بتمويل استثنائي قدره 115 مليون جنيه إسترليني مخصص حصرياً لأنظمة كشف الألغام ذاتية التشغيل ومضادات المسيرات.
هذا التحرك البريطاني ليس "بروتوكولياً"، بل هو استجابة لواقع ميداني فرضته إيران بتهديدها المباشر للملاحة. لندن اليوم تقود "تحالف الضرورة" مع باريس لاستعادة تدفق التجارة العالمية، وهو ما تجلى في اجتماع وزراء الدفاع اليوم لرسم ملامح المهمة الدولية التي قد تتحول في لحظة من "تأمين" إلى "مواجهة مفتوحة".
**ما الفارق بين "أمس واليوم"؟**
منذ شهر واحد، كانت التحركات الأوروبية في المنطقة تندرج تحت بند "التموضع المسبق" بانتظار وقف إطلاق نار دائم. اليوم، تغيرت العقيدة العسكرية؛ فالمهمة أصبحت "دفاعية مستقلة ذات مصداقية" كما وصفها وزير الدفاع جون هيلي.
* **قبل شهر:** كان الرهان على الدبلوماسية المباشرة مع طهران لتجنب الصدام.
* **الآن:** انتقلت بريطانيا وفرنسا لمرحلة "فرض الأمر الواقع" عبر نشر قطع ثقيلة مثل حاملة الطائرات النووية "شارل ديغول" والمدمرة "دراغون"، بعد أن ثبت فشل الهدنة في كبح جماح التهديدات الإيرانية بزراعة الألغام واحتجاز الناقلات.
**التناقض الأوروبي: لماذا بريطانيا تندفع وفرنسا تتحفظ؟**
هنا تكمن القراءة المستقبلية العميقة؛ بريطانيا ترى في تأمين هرمز بوابة لاستعادة دورها "كشرطي عالمي" وحليف استراتيجي أول لواشنطن، وضماناً لخطوط إمداد الطاقة التي تأثرت بشدة بأسعار الوقود العالمية.
أما **الموقف الفرنسي** الذي عبر عنه ماكرون، فهو محاولة للموازنة؛ فباريس ترفض إغلاق المضيق وترفض فرض "رسوم عبور" إيرانية، لكنها في ذات الوقت تخشى الانزلاق في حرب شاملة تقودها واشنطن. لذا، يحاول ماكرون تسويق فكرة "التنسيق" كبديل عن "الصدام الصريح"، وهي محاولة فرنسية أخيرة للحفاظ على شعرة معاوية مع طهران قد تُستخدم في مفاوضات اللحظة الأخيرة.
**توقعات المرحلة القادمة: حافة الهاوية**
التحذير الإيراني بلسان كاظم غريب آبادي بأن أي سفينة حربية ستواجه "رداً حاسماً وفورياً" ليس مجرد تهديد شفوي. إيران ترى أن أي تواجد أوروبي هو انتهاء لسيادتها على المضيق.
**السيناريو الأقرب:** نحن أمام احتمالين لا ثالث لهما؛ إما أن ينجح التحالف البريطاني-الفرنسي في فرض "ممرات آمنة" بقوة السلاح، مما قد يدفع طهران للتراجع التكتيكي، أو أن نشهد "حادثاً عرضياً" في المضيق (اصطدام بمسيرة أو لغم) يفجر مواجهة بحرية كبرى لا تملك فيها بريطانيا خيار التراجع بعد رصدها لهذه المليارات والمعدات النوعية.
المضيق الآن ليس مجرد ممر مائي، بل هو "برميل بارود" ينتظر عود ثقاب، والزلزال الذي ضرب طهران اليوم قد يكون "رمزياً" لما قد تفعله المدافع في المياه الدولية خلال الساعات القادمة.





