أكرم ألفى
عندما قررت مريم انجاب الطفل الثالث تعجبت لطرح الفكرة فقد كنت أرى أن "طفلين كفاية".. بالطبع فشلت في اقناعها وانصعت ليصبح يوسف هو العضو الخامس في أسرتنا. حضور يوسف أربك كافة حساباتي القائمة على تربية طفلين كان أهمها حساباتي الاقتصادية لتوفير متطلبات الحياة للأسرة الصغيرة التي تحولت فجاة بتعبير ضابط جوازات في مطار شارل ديجول إلى "بيج فاميلي" بالمعايير العالمية اليوم.
منذ 2010، أصبح قرار أبناء الطبقة الوسطى انجاب طفل ثالث هو قرار محفوف بالمخاطر، فالجميع حولي في المدينة أصبحوا يفضلون انجاب طفل أو طفلين على الأكثر.
هذا انعكس في الأرقام حيث كان معدل الخصوبة الكلية نحو 3.1 طفل لكل سيدة عام 2013 وأصبح نحو 2.3 طفل لكل سيدة في 2024 أي أن اغلبية المتزوجات ينجبن في المتوسط طفلين فقط في تحول دراماتيكي لنمط الانجاب في المحروسة.
قرار انجاب طفل ثالث لأبناء المدن في العالم أصبح قراراً صعباً للغاية فهو يجعلك تقع بين تناقضات صعبة للغاية بين الرغبة المتوارثة وشبه الغريزية في تكوين عائلة كبيرة وبين ما يحمله هذا الوافد الجديد من أعباء مالية وضيق للمساحة في مكان السكن وتراجع وقتك الشخصي إلى الحد الأدني وربما ينعدم، فانجاب الطفل الثالث يتطلب تحولات جذرية في طريقة الحياة بدءا من المواصلات والتنقل والسكن وصولاً لتكاليف الوجبات اليومية..
فمع خروج طفلي الثالث يوسف إلى النور أصبح وجود غرفتين فقط غير كاف وأصبح هناك ضرورة لغرفة ثالثة في المنزل اضطرتني إلى اعادة ترتيب الشقة وفي النهاية الاجبار على الانتقال لسكن أكبر.
الطفل الثالث يخلق المزيد من الفوضى والضجيج في المنزل يتطلب مهارة خاصة لإدارة المنزل وتعقيدات العلاقة بين الثلاثة ..
الطفل الثالث سيكولوجياً هو "الجزء المفقود" في الأسرة فهو الطفل الذي يمثل التعبير عن تراكم الخبرات في التربية والبحث عن المتعة في العلاقة بالطفل الصغير بعد مرحلة صعبة لتعلم التربية مع أول طفلين.. ولكن يبقى السؤال هل "الجزء المفقود" لتكوين عائلة كبيرة يستحق المخاطرة بتعطيل الحياة المستقرة مع طفلين هل يستحق هذا الثالث المجهود والأموال والأعباء للحصول على السعادة التي يجلبها.. كانت إجابة مريم هو أنه يستحق ومع وجود يوسف في منزلنا بتجربتي الشخصية فإنه كان يستحق بالفعل.
إجابة مريم لضرورة الطفل الثالث لم تعد هي الإجابة الكلاسيكية لأبناء المدينة في العالم وفي المنطقة العربية، فنموذج إجابة مريم أصبح هو الاستثناء بعد أن كان القاعدة قبل 20 عاماً فقط.
من الواضح أن الرغبة في الطفل الثالث هو حلم خاص بالأمهات في العالم لا يقتصر على مريم.. فالكاتبة أماندا سيفوندس Amanda Cifuentes تتحدث عن تجربتها بانها دخلت في نقاش مع زوجها بشأن إنجاب طفل ثالث ولكن زوجها رفض الفكرة لأنه لا يرغب بالعودة إلى الأيام الصعبة المليئة بالليالي بلا نوم، فقد أصبح زوجها يستمتع بالخروج من مرحلة الحفاضات.. وبدء مرحلة نوم الطفلين طوال الليل واستقرار الوضع المالي والاستمتاع بالحركة السهلة بدون عربة الأطفال المزعجة.
ولكن أماندا لم تستطع إخراج فكرة الطفل الثالث من رأسها ورردت نفس جملة مريم الشهيرة في منزلنا "بعد الطفل الثاني لا يهم العدد كثيراً".. ولكن الحيرة استمرت فالطفل الثالث بالنسبة للأسرة أما أن "يقويها أو يكسرها" خاصة في منازل الطبقات الوسطى بالمدن، وفي النهاية حسم كلام أمها الحديث بقولها أن العائلة بثلاثة أطفال أجمل فالطفل الثالث يملاء المنزل بالحياة وتنوع التجارب ونوع أفضل من التفاعلات عندما يصبح عمره 5 سنوات فقط، حينها سيتصبح اكتئاب الحمل الثالث والأرق ونوبات الغضب اليومية والفوضى وقلة النوم مجرد ذكريات لصالح حياة أفضل.
معضلة الطفل الثالث اليوم هي معضلة كل أم في المدينة.. في مقالها بـ"الجارديان" تتحدث الكاتبة أناليسا باربيري Annalisa Barbieri عن أنها كأم تتمنى انجاب طفل ثالث وكيف أنها تصارع الحيرة بشأن السؤال "هل انجب طفلاً ثالثاً ام لا؟" وهو السؤال الذي يلح عليها بعد بلوغها الأربعين.
تلخص أناليسا القصة ببساطة أنها تعتقد أن العائلة كلما كبرت، زادت بهجتها وقوتها ومرحها.. ويمنح الأطفال شعوراً بالقوة وتقول صراحة أن الشعور بالإنتماء للاسرة يزداد بالفعل مع الطفل الثالث. ولكنها تواجه نفس المعضلة فطفل ثالث ترجمته مساحة سكن أكبر وأرهاق جسدي شديد وتهديد لحياة مستقرة جميلة ممتعة ومريحة. فاناليسا تخشى مثل كافة الأمهات أن تندم على عدم تحمل سنوات جديدة من قلة النوم.
وفي القاهرة، رددت أحدى صديقاتي جملة لن انساها عن الطفل الثالث، حيث قالت إن ظروف المعيشة وتكاليف التعليم والتربية تمنعها نم حلم الطفل الثالث حلم بعودة الفوضى في المنزل فالطفل الثالث يفتح الأبواب للفوضى كما يفتح الأبواب لحب جديد أصبح مستحيلاً في المحروسة اليوم.
نقلا عن المصرى اليوم





