عادل نعمان
وإذ كانت الكيانات المسلحة «الميليشيات» الموازية لسلطة الدولة خطرًا داهمًا يهدد أمنها سلامتها، فإن الكيانات الدينية الموازية للمؤسسات الدينية أشد خطورة على عقل الأمة وعلى روابط المواطنة.

والدولة كيان قانونى وسياسى تمارس سلطاتها فى حدود ومساحة جغرافية مخصصة ومحددة لا تتعدى فيها الحدود فى هذا الشأن، ويقع تحت طائلة سلطانها وهيمنتها كل المواطنين داخل هذه الحدود من مواطنيها أو من الأجانب، والدولة شخصية معنوية مستقلة، يحق لها دون غيرها فرض سلطاتها وقانونها بالقوة المشروعة، ولا يسمح بكيان آخر ذى صفة مستقلة حمل السلاح أو أى أداة من أدوات العنف أو استخدام سلطات الإلزام أو الإجبار، سواء كانت ميليشيات أو كيانات أو تكتلات أو هيئات أو حتى أحزاب، ولو كانت لمساعدة الدولة أو تأييدها أو مساندتها وقت الشدة أو الخطر أو الحروب تحت أى مسمى، ولو كان ظاهره الرحمة، أكيد سوف يكون يومًا ظاهره وباطنه العذاب، فهذا تهديد لسلامة الدولة واستقرارها وسيادتها.

ولم يكن مصير الدول التى ظهرت فيها كيانات أو بناءات موازية للدولة واستخدمت القوة أو ألمحت وأومأت بها إلا كان مصيرها التصادم والحروب الأهلية التى تأكل الأخضر واليابس، والأمثلة كثيرة حولنا وتحتنا وعن يميننا وشمائلنا، ولم تنج دولة من الدول من هذا المصير المفجع، ولا أتصور دولة عاقلة رشيدة تسمح ببقاء واستدامة هذه الفصائل على أراضيها، فما بالك بأن تتقاعس دولة من الدول حين تتهاون وتهمل تسريب وتكوين هذا النوع من الميليشيات تحت سمعها وبصرها!!.

ولا يخفى عليكم أيضًا أن هذا ينطبق وبصورة موازية على الكيانات أو الجماعات الخيرية التى تحتمى بغطاء دينى، فهى تمثل فى النهاية سطوة وسلطة تنافس الدولة فى الانتماء والانتساب، هذه الكيانات تزاحم الدولة فى مهامها وأهدافها، ومن الخطأ استسلام الدولة لهذه الكيانات بحجة التطوع لسد احتياجات قطاع من الشعب عجزت الدولة عن الوفاء به، أو ترفع عن كاهلها عبئًا تتحمله عنها، فهى تفقد الانتماء عند هذا القطاع العريض، وتنعدم عند هؤلاء فضيلة الولاء للدولة الأم، ويصبح الولاء والانتماء لهذه الجماعات مقدمًا على الولاء والانتماء للدولة، بل وصل الأمر إلى معاداتها وقتالها بعد تكفيرها، من قاتل منهم قاتل، ومن حرض منهم حرض، ومن بارك منهم بارك هذا العدوان، والخطر الأكبر، أن الغالبية الكاسحة من هذا القطاع العريض على استعداد لتنفيذ المهام المطلوبة حتى لو تعارضت مع أهداف الدولة أو دستورها أو مصالحها، إذا ما كلفته هذه الجماعات بمهام خارج السياق العام سواء بحسن نية أو بغير علم.

والدولة لا دين لها، لا تصلى ولا تصوم ولا تحج، وليس من مهامها أو مسؤولياتها إعانة الناس على دخول الجنة، أو تخلى وتفصل بينهم وبين النار، أو ترفع عن كاهلهم ذنبًا أو تحط عنهم خطيئة، بل مهمتها دنيوية بحتة، تتركز فى حماية أرواح الناس وممتلكاتهم وأعراضهم والدفاع عن البلاد ضد العدوان، وإنفاذ بنود القانون، وتحسين جودة الحياة للمواطنين وتوفير مستوى جيد من التعليم والصحة، وتحقيق العدل والحرية، والأهم تحقيق مبدأ المساواة والمواطنة بين أبناء الوطن الواحد، والدولة تضم بين جناحيها أديان ومذاهب وملل شتى، ويعرف المواطن فيها بالمواطنة وليس بالعقيدة أو بالدين، يمارس حريته فى حدود ما يسمح به القانون، والدين ليس دين الدولة بل دين الفرد، ولا يمكن لشخص كان على صلة قوية بدينه ملتزم به أشد ما يكون الالتزام واثق من تعاليمه أشد ما يكون الوثوق أن تساعده دولة مسلمة على توسيع قاعدة تدينه، أو تعينه دولة كافرة وتثنيه عن عقيدته، فيعيش المسلم فى الدولة الحديثة وسط ديانات وملل ونحل ومذاهب مختلفة، ولا يجرؤ مسؤول أو منتسب للدولة أن يعيبه أو يحقر من عقيدته أو يمنعه من إقامة طقوسه الدينية أو إظهارها للملأ، العكس فى الدولة الدينية فهو تحول المتدين إلى طاغية وإقصائى وعنصرى، يستبعد الآخر مهما علا شأنه وسما علمه وسبقت خبراته الآخرين.

وإذا كانت الكيانات المسلحة «الميليشيات» الموازية لسلطة الدولة خطرًا داهمًا يهدد أمنها وسلامتها، فإن الكيانات الدينية الموازية للمؤسسات الدينية أشد خطورة على عقل الأمة وروابط المواطنة، هذه الكيانات الدينية الموازية تخرج كثيرًا عن الخط العام، وترسم خطوطًا بعيدة عن النسق العام بل والقانون، فتهدم مبدأ المساواة بين أبناء الوطن على أساس الدين والجنس، وتقوض منظومة المواطنة، ويصبح العدل نسبيًا إلى حد كبير، الغريب فى الأمر أن كلًا من المؤسسات الدينية التى تنتهج نهجًا معتدلًا إلى حد ما، وهذه الكيانات التى تنتهج نهجًا متشددًا كل منهما يستند فيما ذهب إليه إلى تأصيل شرعى يشد كل منهما طرفه شدًا إلى رحابه وحجره، وكل منهما على صواب، وأصدق مثال على هذا كل الجرائم التى ارتكبتها داعش وطالبان وكل الفرق الجهادية أمس واليوم وغدًا كان من تحت مظلة هذا التأصيل وهذه الأسانيد مما يجعل الأمر أكثر إلحاحًا من إقصاء هذه الكيانات جميعها عن المجال العام، بل والخلاص النهائى دون رجعة.

«الدولة المدنية هى الحل»
نقلا عن المصرى اليوم