فاطمة ناعوت
غادرنا، بينما أكفُّنا مرفوعةٌ للسماء تدعو له بالشفاء وطِيْب الحياة. ذاك الفنانُ الذى كان مؤسسةً كاملة من الرقىّ الفنى والثقافى والإنسانى. غادرنا «عبد الرحمن أبوزهرة» تاركًا فراغًا لا يُشغل، وإرثًا فنّيًّا لا يخبو أثرُه مع الأيام، بل يزداد توهجًا وقيمة. فبعض الفنانين لا يمرّون فى حياتنا كمؤدّى أدوار، بل كصُنّاع أثر. وكان «أبو زهرة»، وسيظلُّ، رمزًا مصريًّا وعربيًّا نبيلا، من تلك الرموز التى تُقيم داخل الوجدان الجمعى، ولا تبرحُ موقعها، حتى بعد غياب أصحابها.

«عبد الرحمن أبوزهرة» أحدُ أبناء الجيل الذى تعامل مع الفنِّ باعتباره رسالةَ وعيٍ وتهذيبٍ وتثقيف وجمال، لا باعتباره مهنةً أو طريقًا إلى الأضواء. جيلٌ خرج من عباءة «المسرح القومي»، ذلك الصرح الشاهق الذى وقف على خشبته كبار المعلمين فى الأداء واللغة والانضباط. لهذا لم يكن غريبًا أن يحمل الرجلُ، فى صوته وحضور ملامحه، كلَّ هذا الوقار الآتى من زمن الفن الرفيع. فما أن يعتلى خشبةَ المسرح، أو يقفَ أمام الكاميرا، أو خلف ميكروفون الإذاعة، تشعرُ أنك أمام فنان يعرف جيدًا قيمة ما يفعل، ويحترم عقلَ الجمهور احترامًا يليقُ به.

كان واحدًا من الفنانين النادرين القادرين على الانتقال المذهل بين الكوميديا والتراجيديا دون افتعال. وتلك مَلَكةٌ عصيةٌ لا تُسلِمُ نفسَها إلا لذوى الفرادة والموهبة والثقافة. يضحكك، ثم ينتزع دمعتَك دون أن تشعر بقفز فى الأداء، بل دون أن تشعر بتصارع المشاعر داخلك، وكأن الفرح والحزن مضفوران فى جديلة واحدة. تلك القدرة الاستثنائية لا يملكها إلا الكبار الذين يفهمون النفس البشرية ويعرفون كيف يلمسون مناطقَها الحساسة بوعى.

منذ تخرجه فى المعهد العالى للفنون المسرحية فى خمسينيات القرن الماضى، قدّم الأستاذُ للمكتبة الفنية المصرية والعربية، مئات الأعمال الرفيعة من مسرحيات وأفلام ومسلسلات وسهرات تليفزيونية ودراما إذاعية وأفلام كارتون وأعمال تاريخية ومسلسلات الأطفال ودوبلاجات الروايات العالمية وغيرها من خوالد الأعمال. كوميديان وتراجيديان فى آن. استثنائيٌّ فى صناعة البسمة واستلاب الدمع. بدأ مشواره الفنى من أعلى نقطة فى هرم الإبداع المصرى: «المسرح القومى» بمسرحية «عودة الشباب» للعظيم «توفيق الحكيم»، ثم أشرق وجهُه على شاشات السينما مثلما أشرق صوتُه من ميكروفونات الإذاعة، ودخل بيوتنا خلال دراما المسلسلات. تلك الأعمالُ الخالدة تصبُّ فى ميزاننا نحن، قبل أن تصبَّ فى ميزانه. فخوالدُ الأعمال تبقى فى رصيد الوطن، بعدما نذهبُ، ويذهبُ صانعوها.

الفنان الحقيقى يُقاس بما يتركه فى الوعى الجمعى، وكان لصوت «عبد الرحمن أبو زهرة» تأثيرٌ تربوى وثقافى بالغُ العمق. أجيال كاملة تعلّمت العربية الفصحى من أعماله الإذاعية ومن دوبلاج أفلام الكارتون العالمية. وما قدّمه فى شخصية «سكار» فى The Lion King سيبقى درسًا فنيًّا فى الأداء الصوتى الرفيع. لم يكن يؤدى الكلمات، بل كان يبنى شخصية كاملة بالنبرة والإيقاع والتنفس والسكوت بين الجمل. حتى الأطفال الذين لم يعرفوا تاريخه المسرحى والسينمائى، عرفوا أن وراء ذلك الصوت عقلًا فنيًّا استثنائيًّا. لهذا كرّمته «ديزنى» بشهادة تقدير لنجاحه الفائق فى تعليم الصغار اللغة العربية الفصحى، التى أجاد مزجَها بالفصيحة السيّارة لكى تصل إلى عقل الطفولة الناشئة، ورثته بكلمة مؤثرة فور إعلان خبر رحيله.

عرفتُ الأستاذ عن قرب فى مهرجانات وأسفار. وفى الأسفار تُعرفُ الأعماق. إنسانٌ بسيطٌ مثقفٌ ومرح، ينثرُ البهجة فى قلوب مَن حوله. غيورٌ على اللغة العربية غيرةَ العاشق المتبول. فهو من طراز المعلمين الذين يمنحون المعرفة بسخاء لأنه ابنُ المدرسة الرائدة، التى تقدِّسُ «الإتقان». وحين بدأت أخبار مرضه تتردد فى السنوات الأخيرة، شعر كثيرون بالخوف، كأن جزءًا من ذاكرتهم الشخصية يتهدده الغياب. فبعض الفنانين يتحولون، مع الزمن، إلى أفراد من العائلة الروحية للمجتمع. نكبر معهم، ونحفظ أصواتهم وملامحهم كما نحفظ تفاصيل بيوتنا ومدارسنا. لهذا جاء خبر الرحيل موجعًا، لا لأنه إعلان غياب فنان كبير فحسب، بل لأنه رحيل قطعة كاملة من زمن الرقىّ المصرى. لكن عزاءنا أن الكبار لا يغادرون بل يبقون فى أعمالهم الخالدة العصيّة على الزوال. يبقون فى الضحكات والدموع التى زرعوها داخل أرواحنا. سيبقى «عبد الرحمن أبوزهرة» واحدًا من الشواهد المضيئة على أن الفن يمكن أن يكون أخلاقًا ومعرفةً وجمالًا فى آن. وسيبقى اسمه محفورًا فى ذاكرة مصر، لا كفنانٍ عظيم وحسب، بل كأستاذ حقيقى من أساتذة البهجة والوعى والإبداع والثقافة. شكرًا لأسرته الكريمة التى أنفذت وصيته بأن يمرَّ نعشُه الكريم من أمام «المسرح القومى»، بيته الحقيقى، وشكرًا لك، لا وداعًا، أيها الأستاذ الجميل، الذى أمتعنا وعلّمنا، وأتعبَ مَن سيأتون بعده، لأنكَ جعلتَ الفنَّ مرادفًا للإتقان والعظمة.
نقلا عن المصرى اليوم