بقلم: شريف رسمي
اليوم تواصلت مع عدد من النواب الأقباط داخل البرلمان، وخلال الأيام القادمة سأستكمل التواصل مع باقي النواب، وبعض النواب من إخواتنا المسلمين أيضًا، لشرح حجم القلق والغضب الموجود داخل الشارع القبطي تجاه مشروع القانون المقدم من النائب عمرو درويش بشأن إنشاء الهيئة العامة لمسار العائلة المقدسة.

ورغم تقديري الكامل لأهمية تطوير مسار العائلة المقدسة سياحيًا وحضاريًا وروحيًا، وهو ما نادينا به منذ سنوات طويلة، خاصة بعد أن وضع الفاتيكان مسار العائلة المقدسة على الخريطة السياحية الدينية العالمية، باعتباره واحدًا من أهم مسارات الحج المسيحي في العالم، ولا يقل في أهميته الروحية عن زيارة القدس، إلا أن هناك اعتراضات جوهرية لا يمكن تجاهلها.

أول هذه الاعتراضات يتعلق بالطريقة التي خرج بها مشروع القانون إلى النور. فكيف لنائب محترم أن يطرح مشروعًا بهذا الحجم والخطورة، يمس الكنائس والأديرة والمزارات القبطية بصورة مباشرة، دون الرجوع إلى الكنيسة نفسها؟! لا إلى المجمع المقدس، ولا إلى قداسة البابا البابا تواضروس الثاني، ولا حتى إلى المطارنة والأساقفة المرتبطين بنقاط المسار المختلفة.

فجأة وجدنا أنفسنا أمام مشروع ينشئ هيئة اقتصادية ضخمة تتبع رئيس الوزراء، تشترك فيها جهات سيادية وتنفيذية متعددة، بينما يأتي تمثيل الكنيسة داخلها بصورة محدودة وهزيلة، رغم أن الأمر يتعلق بملف كنسي وروحي وتاريخي شديد الحساسية. هذا الأمر وحده كان كافيًا لخلق حالة واسعة من الرفض والقلق داخل الشارع القبطي.

إن نجاح مشروع مسار العائلة المقدسة عالميًا لا يرتبط فقط بإنشاء الطرق أو الفنادق أو المشروعات الاستثمارية، بل يرتبط أولًا بالحفاظ على أصالته الروحية وهويته الدينية المرتبطة بالكنيسة المصرية. فالسائح الذي يأتي من الخارج لا يبحث فقط عن مبانٍ حديثة أو خدمات سياحية، لكنه يأتي ليرى الكنيسة المصرية الحية بصلواتها وأديرتها وطقوسها وتراثها القبطي الممتد عبر قرون طويلة، وهذه هي القيمة الحقيقية التي تميز مصر عن غيرها.

ولهذا، فإن أي محاولة لفصل المسار عن الكنيسة، أو التعامل معه بعقلية إدارية واقتصادية فقط، ستفقده روحه وقيمته العالمية.

ومن أخطر ما يتضمنه المشروع المادة الخاصة بنقل تبعية الأراضي والمنشآت الواقعة داخل نطاق المسار إلى الهيئة الجديدة، لأن مفهوم “نقل التبعية” خلق خوفًا حقيقيًا لدى الأقباط من أن تتحول الأمور تدريجيًا إلى نوع من التأميم المقنع لأراضٍ ومناطق مرتبطة بالكنائس والأديرة، تحت اسم التطوير والتنظيم.
كما أن منح الهيئة حق الحجز الإداري يمثل نقطة شديدة الحساسية والخطورة، لأننا هنا لا نتحدث عن مشروع استثماري عادي، بل عن أماكن مقدسة لها طبيعة خاصة جدًا، ولا يصح التعامل معها بنفس منطق الهيئات الاقتصادية التقليدية.

المشروع أيضًا منح الهيئة صلاحيات اقتصادية واستثمارية واسعة، تشمل تأسيس الشركات، والحصول على القروض، وفرض الرسوم والخدمات، مع تمثيل كنسي محدود للغاية داخل مجلس الإدارة، وكأن الكنيسة تحولت من صاحبة المسار إلى مجرد عضو رمزي داخله.

وهذا خلق مخاوف حقيقية من تحويل الأماكن المقدسة تدريجيًا إلى مشروع مصالح واستثمارات، أكثر من كونها أماكن صلاة وروحانية وتراث ديني حي.
العالم كله اليوم يتجه إلى احترام الخصوصية الدينية والثقافية للشعوب، وتجارب السياحة الدينية الناجحة عالميًا تقوم على الحفاظ على الهوية الروحية للمكان، لا تذويبها داخل كيانات إدارية واستثمارية.

فالمسار ليس مجرد ملف استثمار، بل جزء أصيل من التراث الروحي والهوية القبطية المصرية، وأي محاولة لإدارته بعقلية اقتصادية فقط ستخلق رفضًا شعبيًا طبيعيًا.

ولابد من التأكيد على أهمية وجود نواب أقباط أقوياء داخل البرلمان، يكون دورهم الحقيقي حماية التراث الكنسي والهوية القبطية، والتدخل في مثل هذه الملفات الحساسة لضمان عدم تمرير أي تشريعات تمس الكنيسة أو مقدساتها دون مشاركتها وموافقتها الحقيقية.

إن نجاح مشروع مسار العائلة المقدسة يحتاج إلى شراكة حقيقية بين الدولة والكنيسة، تقوم على الحوار والاحترام المتبادل، والحفاظ على قدسية المكان قبل التفكير في العوائد والاستثمارات، لأن قيمة المسار الحقيقية ليست في الأراضي والمنشآت، بل في روحه وتاريخه وهويته التي حافظت عليها الكنيسة المصرية عبر مئات السنين.

وشخصيًا، أثق في حكمة الأجهزة المصرية في إدارة هذا الملف، والوصول إلى صيغة تحقق التوازن المطلوب، وتُرضي الكنيسة والشعب القبطي من ناحية، وتحافظ على مصالح الدولة من ناحية أخرى.