كريم كمال يكتب: مسار العائلة المقدسية مشرع تطوير ام مشروع تأميم

أثار مشروع القانون الخاص بتنظيم وإدارة مسار العائلة المقدسةً والذي تقدم به النائب عمرو درويش عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين حالة واسعة من القلق والغضب داخل الأوساط القبطية والكنسية ليس فقط بسبب توقيته ولكن بسبب ما يتضمنه من مواد تمثل في نظر كثيرين ومحاولة واضحة لتأميم الأديرة والكنائس الواقعة ضمن مسار العائلة المقدسة وتحويلها تدريجيًا من دور عبادة حية إلى منشآت سياحية أو متاحف تخضع لإدارة هيئة حكومية.

إن الكنائس والأديرة الموجودة على مسار العائلة المقدسة ليست مجرد مبانٍ أثرية أو أماكن تراثية، بل هي مؤسسات دينية وروحية قائمة حتى اليومً تمتلئ بالمصلين والرهبان والزائرين وتقام فيها الصلوات والقداسات والشعائر الدينية بصورة يومية وبالتالي فإن التعامل معها باعتبارها مواقع سياحية فقط وإخضاعها لإدارة هيئة مستقلة تتحكم في شؤونها المالية والإدارية، يمثل اعتداءً صريحًا على طبيعتها الكنسية والروحية.

وبحسب ما تم تداوله من بنود المشروعً فإن القانون المقترح يمنح الهيئة المزمع إنشاؤها صلاحيات واسعة في إدارة المواقع الواقعة على مسار العائلة المقدسة بما في ذلك تنظيم الزيارات والإشراف الماليً وإمكانية فرض رسوم دخول فضلًا عن إدارة الموارد والتبرعات الخاصة بهذه الأماكن وهنا يبرز السؤال الخطير كيف يمكن فرض رسوم على دخول الكنائس والأديرة وهي بيوت عبادة مفتوحة أمام المؤمنين؟ وهل سيُطلب من المصلين دفع مقابل مادي للدخول إلى أماكن الصلاة؟.

الأخطر من ذلك هو الحديث عن إدارة أموال التبرعات والموارد المالية الخاصة بالأديرة والكنائس من خلال جهة أو هيئة خارج الإطار الكنسي. فالتبرعات التي يقدمها المؤمنون للكنيسة هي أموال مخصصة للخدمة والرعاية الروحية والاجتماعية ولا يجوز بأي حال من الأحوال إخضاعها لإدارة حكومية أو شبه حكومية تحت أي مبرر.

إن هذا المشروع يفتح الباب أمام سابقة خطيرة تمس استقلال الكنيسة المصرية وتثير مخاوف حقيقية من تحويل الأديرة التاريخية إلى مجرد مواقع سياحية يتم التعامل معها بعقلية الاستثمار والإدارة الاقتصادية بعيدًا عن رسالتها الروحية والدينية كما أن فكرة تأميم المسارحتى وإن جاءت تحت شعارات التطوير والتنظيم تظل مرفوضة إذا كانت ستؤدي إلى سحب سلطة الكنيسة على مقدساتها وأماكن عبادتها.

ومن المعروف أن نواب تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين لا يتقدمون عادة بمشروعات قوانين أو تحركات سياسية كبرى بشكل فردي بل تأتي هذه الخطوات بعد مناقشات وموافقات داخل التنسيقية والجهات المشرفة عليها لذلك فإن من حق الرأي العام القبطي أن يتساءل من صاحب المصلحة الحقيقية في طرح هذا المشروع؟ ولماذا يتم فتح هذا الملف الآن؟ ومن المستفيد من نقل إدارة الكنائس والأديرة الواقعة على مسار العائلة المقدسة إلى هيئة ذات طابع إداري وسياحي؟

إن دعم الدولة المصرية لمسار العائلة المقدسة كأحد أهم المشروعات السياحية والدينية أمر محل تقدير وترحيب لكن هذا الدعم يجب أن يتم بالتنسيق الكامل مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وبما يحفظ قدسية الأماكن الدينية واستقلالها الكامل لا أن يتحول إلى مدخل للهيمنة الإدارية أو المالية على الكنائس والأديرة.

ومن هنا فإنني أطالب قداسة البابا البابا تواضروس الثاني بعقد جلسة طارئة للمجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية لمناقشة مشروع القانون والرد عليه بصورة واضحة وحاسمة حفاظًا على حقوق الكنيسة التاريخية والدستورية وحماية للأديرة والكنائس الواقعة على مسار العائلة المقدسة من أي محاولة للمساس بهويتها الروحية والدينية.

كما أطالب أعضاء مجلس النواب برفض هذا المشروع بصورته الحالية وفتح حوار مجتمعي وكنسي حقيقي قبل مناقشة أي تشريع يتعلق بمقدسات دينية تمثل جزءًا أصيلًا من تاريخ وهوية مصر فمسار العائلة المقدسة ليس مشروعًا استثماريًا بل رحلة مقدسة تحمل قيمة دينية وإنسانية عظيمة ويجب أن يظل تحت رعاية الكنيسة صاحبة هذا التراث الروحي الفريد.