سحر الجعارة
يدهشني الشعب المصري أو للدقة أغلبيته في اختياراته، فمنهم من صنع من (السح الدح إمبو) بطلاً شعبياً «عدوية»، ومنهم من نشر صور من أفتى بعدم دخول غرفة العناية المركزة حتى لا يتأخر لقاء ربه «الشعراوي»، حتى أصبح أسطورة مقدسة من يمسها عن بعد يعد هدفاً للتكفير!.
فقراء الشعب المصري وقليل من نخبته جعلوا من «الطب النبوي» تابوهاً لا يمكن الاقتراب منه، وبالقطع تربّع على عرش «العلم والإيمان» د. «مصطفى محمود» ثم «زغلول النجار» من بعده.. ولم يخرج من بيننا رجل رشيد ليقول لهم إن القرآن «كتاب هداية» رسالة إلهية للبشر وليس كتاب طب.. وأن «بول البعير» سم قاتل وأن الحجامة تسبب التلوث وتنقل العدوى أحياناً، والرُّقية الشرعية مدفوعة الأجر هي عملية نصب، وأن القرآن نفسه للتدبر والتفكر وفهم «مراد الله» وليس للتبرك ووضعه زينة في أرجاء البيت.. والجان لا يخرج من جسم الصبية بالضرب والتنكيل بها لأنه لم يدخله أصلاً، فقد سخّر الله الجان لسيدنا سليمان ولم يرد في الإسلام بكتابه العزيز وسنة رسوله ما يؤكد أن الجن يلبس الستات بالذات!!.
كتبت من قبل أن الفقراء والجهلة هم من يلجأون لهذه السبل، لكن الطبقات العليا السرية بعضهم يمارس أعمال السحر بل ويسافر إلى بلد عربي خصيصاً لساحر يبيع لهم وهم رد الغائب وتزويج العانس.. السؤال: هل تحولت طيبة المصري إلى «سذاجة»؟!.
ثمّة شيء ما تغير في الشخصية المصرية، التدين الذي وصفه «حمدان» بأنه إحدى أهم سماتها («التديُّن» على رأسها، وهو مردود لحضارتها الزراعية، بكل ما يتصل بها من سمات الصبر والدأب والجلد والتحمل، ثم المحافظة، نتيجة للاستقرار وبسببه)، تحول إلى «تدين شكلي»، يلتزم فيه الإنسان باللحية والنقاب، ويجري خلف الخرافات، ويُضفي «قدسية» على من يعتبرهم «رموزاً» سواء كتب أو أشخاص، وهو يخوض حرباً ضروساً في قضايا خلافية ومذهبية.. كل هدفها استرداد الجزء المفقود من «الهوية المصرية» بالتعالي على المذاهب والأديان الأخرى.. والتفوق في مناظرات غبية تستهلك العقل والجهد وتلهي الجميع عن المواقف الواقعية التي نرى فيها «فاسداً» يمسك المسبحة بيد ويتقاضي الرشوة بالأخرى!
هذا التدين الاستعلائي المجافي للإنسانية جعل البعض يعتبر أن ورقة «الدين» كفيلة بتفكيك مصر وتحويل التعددية الدينية إلى نيران تلتهم الجميع، ولأن «العدو» يخوض ضدنا حرباً قذرة فهو لا يتردد عن خلط الغلاء بالكتب المقدسة، ولا أن يكون «البطل الشعبي» الذي يقدمه لنا مجرد «أراجوز» يهرتل ليؤلب المسيحي على المسلم والعكس صحيح.. ويردد أكاذيب بل ويدخل موقعاً من مواقع السوشيال ميديا ليس له علاقة بالنضال ولا بالأديان «تيك توك».
نحن نتفوق على العالم بأننا أكثر شعب تعرض للنصب! من توظيف الأموال التي عصفت بالمليارات بالمضاربة في بورصات لندن، إلى «المستريح» الذي تحوّل إلى ظاهرة.. لماذا هذا التفوق المرعب؟ لأن كل أصحاب شركات توظيف الأموال كانوا بذقون ويرتدون عباءات مطرزة بخيوط الذهب.. إذا افترضنا أنهم فعلوا ذلك طمعاً في الفائدة المرتفعة فقد رفعت البنوك الرسمية الفائدة على الشهادات حتى وصلت 25%، إلا أن «الحاج» -الذي غالباً هو إخواني- نصحه بالمضاربة على الدولار وشراء الذهب.. ولا أحد من خبراء الاقتصاد يقول «نحن نصنع الأزمة».. لقد تجاوزنا السذاجة بمراحل!.. وبعدما انخفض التضخم: لماذا استمر الغلاء؟ فقط لأننا نأكل لحم بعضنا نيئاً «يسمونه جشع التجار».
«تيك توك» الذي كان موقعاً لنشر الضحك والبهجة والنيابة العامة تلاحق الفتيات بتهم خدش الحياء، أصبح أرضاً خصبة لنشر «الخرافة».. «ضياء العوضي» تحوّل إلى عالِم ووليّ من أولياء الله الصالحين وشهيد.. وهناك لجان إلكترونية لتصفية من يرفض كلامه العبثي، وحسابات على السوشيال ميديا مجنَّدة لنشر فيديوهاته بعدما قرر «المجلس الأعلى للإعلام» حذف فيديوهاته.. الطبيعي كان في التعامل معه على أنه شخصية هزلية وبيهرتل أي كلام، أو في أحسن الأحوال مجنون لكنه تحول إلى «شهيد».. (هَم يبكي وهم يضحك).
في مناخ مسمم كهذا كان من الطبيعي أن تظهر «دنيا فؤاد» في البداية كحالة إنسانية مؤثرة، تروي معاناتها مع مرض السرطان ورحلة علاج قاسية، ما أثار تعاطفاً واسعاً ودفع كثيرين إلى تقديم الدعم والتبرعات، ودخل على الخط الفنان «تامر حسني» بمساندة علنية فحوّلها إلى قضية رأي عام.. جمعت الملايين، وبينما النيابة تحقق، ركب تامر مرة ثانية على تريند العوضي: ركز يا فنان في شغلك!.
هذه النماذج الفجة المثيرة للسخرية المفروض أن تجعلنا نفزع ويهرول خبراء الاجتماع وعلم النفس لفهمها.. وأن نقوم بثورة فكرية وتنويرية لإحياء الشخصية المصرية.. لكننا للأسف نتابع ما يحدث بلا مبالاة: فهمت يا أذكى إخواتك؟
نقلا عن الوطن





