أحمد الخميسي
في 15 مايو من كل عام تحل ذكرى النكبة التي يظن البعض انها نكبة فلسطين وحدها، لأن فلسطين هي التي تحملت القسم الأعظم من جرائم اقامة الكيان الذي أطلقوا عليه صفة دولة، وهو مجرد قاعدة عسكرية للاستعمار وعصا لإخضاع شعوب المنطقة. لكن تلك النكبة تخص في واقع الأمر كل شعوب التحرر الوطني، ولو أن الأمر كان " اقامة دولة في فلسطين" فلماذا يوجه الكيان ضرباته إلى سوريا ولبنان وساهم في تدمير العراق وتمزيق السودان والتحريض على بناء سد النهضة؟ ولماذا امتد أثره إلى المساهمة في دعم جيورجيا وأوكرانيا ضد روسيا؟
هذا الدور الواسع النطاق يظهر بوضوح أن المستهدف من إقامة الكيان كان أوسع وأشمل من احتلال فلسطين، وأن فلسطين كانت قاعدة ينطلق منها الكيان بصفته قاعدة عسكرية إلى ضرب حركات التحرر الوطني أينما ظهرت، وتعارضت مواقفها مع مصالح الاستعمار. أما الادعاء بأن الكيان دولة يهودية فهو مجرد غطاء فكري مهلهل لدور اسرائيل الحقيقي. ويجدر بنا في هذا الصدد أن ننتبه إلى أن اقامة الكيان ترافقت مع تراجع نفوذ الاستعمار البريطاني في المنطقة، وحاجته إلى قاعدة عسكرية تتولى نيابة عنه اخضاع شعوب المنطقة العربية اقتصاديا وعسكريا، ولهذا السبب تحديدا ظهر وعد بلفور وبدأت بعده هجرات المرتزقة إلى فلسطين. الأكثر دلالة على أن الكيان قاعدة لا تستهدف فلسطين فقط ، بل ولم تكن تقصدها، أنه في عام 1903 في مؤتمر صهيوني دعا هرتزل إلى البحث عن وطن لليهود في أي مكان وليس في فلسطين، وهنا اقترح البعض أن يكون ذلك الوطن في أوغندا، وبالفعل سافر وفد صهيوني إلى أوغندا ليعاين البلد على الطبيعة ثم عاد الوفد من هناك بتقرير أفاد أن أوغندا لا تصلح لأن المناخ فيها حار للغاي كما أنها مليئة بالأمراض المنتشرة وأراضيها غير ممهدة. وعرف ذلك المشروع بمشروع أوغندا.
وتم رفض ذلك " مشروع أوغندا" في مؤتمر عام 1905 حتى صدر وعد بلفور في 1917 ومثل حلا نموذجيا للاستعمار لإقامة قاعدة عسكرية تخضع ما حولها، وبدأت هجرة المرتزقة إلى فلسطين، لتصبح فلسطين رأس الرمح بدمائها وأرواح أبطالها وبسالة أبنائها في مواجهة القاعدة العسكرية الصهيونية. الأمر إذن لا يتعلق بدولة دينية، وقد سبق أن منح الاتحاد السوفيتي اليهود جمهورية مقاطعة حكم ذاتي عام 1934 باسم " بيروبيجان" لكنهم لم يهاجروا إليها، وإذن لم يكن احتلال فلسطين بهدف العثور على وطن، بل لأسباب أخرى. القصة لم تكن وطن، ولم تكن الدين، ولا حتى ما يتصوره البعض من وجود شعب يهودي، لأن اليهود في فلسطين أفراد من شتى بقاع الأرض، لا تجمعهم لغة، ولا تاريخ ولا ثقافة، ومن ثم يستحيل الحديث عن شعب ومن باب أولى الحديث عن " ثقافة شعب". وفي 15 مايو الحالي مع حلول الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة يظل الشعب الفلسطيني البطل راسخا في أرضه ترفرف أعلامه وأحلامه وبطولاته وقصائده حتى بعد حرب عامين من الإبادة ، ومع بسالة الشعب الذي قال عنه عرفات " شعب الجبابرة" فإننا نثق تماما أننا سنشهد يوما قريبا تنكسر فيه القاعدة العسكرية وتصدح فيه كل الأغاني والأماني.
نقلا عن الدستور





