بقلم: مدحت قلادة
منذ فجر المسيحية، لم يكن الإيمان مجرد طقوس أو كلمات تُقال، بل كان موقفاً وشهادةً وحياةً تُعاش بثبات وشجاعة. لقد بُنيت الكنيسة على رجال ونساء رفضوا الخوف، وواجهوا الظلم والطغيان بقوة الإيمان، لأنهم أدركوا أن الحق الذي أعلنه السيد المسيح أعظم من كل سلطان أرضي.
إن الشجاعة في المفهوم المسيحي ليست تهوراً أو عنفاً، بل هي الثبات في الحق وعدم الخضوع للخوف. فالمؤمن الحقيقي لا يكون تابعاً للرياح المتغيرة، بل إنساناً ثابتاً في مبادئه مهما كانت الضغوط أو التهديدات.
ولهذا مدح السيد المسيح يوحنا المعمدان قائلاً:
“ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا؟ أقصبة تحركها الريح؟”
— إنجيل متى 11: 7
كانت هذه الكلمات إعلاناً عظيماً لمعنى المؤمن الحقيقي؛ فالقصبة تتحرك مع اتجاه الريح، أما الإنسان المؤمن فلا يتحرك مع الخوف أو المصالح أو الضغوط، بل يثبت في الحق مهما كان الثمن.
وقد جسّد يوحنا المعمدان هذه الشجاعة حين وقف أمام الملك هيرودس وقال له بجرأة:
“لا يحل لك أن تكون لك امرأة أخيك.”
لقد كان يعلم أن كلمة الحق قد تكلّفه حياته، لكنه لم يصمت، لأن ضميره كان حياً وإيمانه أقوى من خوفه. وهكذا صار يوحنا مثالاً خالداً للإنسان الذي يرفع صوته بالحق أمام السلطة دون تردد.
ومن قبله وقف موسى أمام فرعون، أعظم طغاة عصره، دون خوف أو ضعف. لم يكن يملك جيشاً أو قوة بشرية، لكنه امتلك قوة الإيمان بالله، فقال لفرعون:
“أطلق شعبي.”
لقد كانت مواجهة موسى لفرعون درساً عظيماً في أن الإنسان المؤمن يستطيع أن يقف أمام أقوى أنظمة الظلم عندما يكون الحق معه.
ثم جاء السيد المسيح ليؤسس كنيسة لا تعرف الخوف، فأوصى تلاميذه قائلاً:
“اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها.”
وكان يعلم أن طريقهم سيكون مليئاً بالاضطهاد والسجون والتعذيب، لكنهم خرجوا يكرزون بلا خوف، لأن قوة الله كانت تسندهم.
لقد استشهد معظم الرسل وهم ثابتون في الإيمان، رافضين إنكار المسيح:
* بطرس الرسول صُلب في روما متمسكاً بإيمانه.
* بولس الرسول استشهد بقطع الرأس.
* أندراوس الرسول صُلب بعد كرازة طويلة.
* يعقوب بن زبدي قُتل بالسيف.
* توما الرسول استشهد طعناً بالحراب بعد تبشيره في الهند.
* فيلبس الرسول استشهد بعد تعذيبه بسبب الكرازة.
* برثولماوس الرسول تعرّض للتعذيب والاستشهاد بسبب إيمانه.
* متى الرسول استشهد أثناء خدمته وكرازته.
* سمعان الغيور استشهد بعد سنوات من التبشير.
* يهوذا تداوس استشهد وهو يكرز بالمسيح.
* أما يوحنا الرسول فقد نُفي إلى جزيرة بطمس بسبب شهادته للمسيح، وهناك كتب سفر الرؤيا.
لقد كانت الكنيسة الأولى كنيسة شجاعة، لا تخشى الموت، لأن أبناءها آمنوا أن الحياة الحقيقية ليست في البقاء الجسدي بل في الأمانة لله.
ومن أعظم أمثلة الشجاعة في تاريخ الكنيسة القديس بوليكاربوس، الذي حين طلبوا منه أن ينكر المسيح لينجو بحياته، أجاب قائلاً:
“ستة وثمانون عاماً أخدمه ولم يصنع بي شراً، فكيف أجدف على ملكي الذي خلصني؟”
ثم تقدم نحو الاستشهاد بثبات عجيب دون خوف، مؤكداً أن المؤمن الحقيقي لا يساوم على إيمانه مهما كانت التضحيات.
وكذلك القديسة دميانة التي واجهت التعذيب والاضطهاد بثبات نادر، ورفضت أن تنكر المسيح رغم كل الضغوط. لقد أصبحت رمزاً للشجاعة الروحية، وصورة للإنسان الذي ينتصر على الخوف بقوة الإيمان.
إن الكتاب المقدس يرفض روح الخوف والاستسلام، ويعلن بوضوح أن الله يريد أبناءه أقوياء في الحق. يقول الكتاب:
“لأن الله لم يعطنا روح الفشل، بل روح القوة والمحبة والنصح.”
ويقول أيضاً في سفر الرؤيا:
“وأما الخائفون وغير المؤمنين… فنصيبهم في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت.”
إن المقصود هنا ليس الخوف الطبيعي الذي يشعر به الإنسان، بل الخوف الذي يدفع الإنسان إلى إنكار الحق والهروب من الشهادة والصمت أمام الظلم.
ولهذا قال السيد المسيح:
“لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد.”
فالمسيحية تصنع إنساناً حراً، والحرية الحقيقية تبدأ عندما يتحرر الإنسان من الخوف.
ومن هنا يصبح رفع الصوت ضد الظلم واجباً مسيحياً، لأن الإيمان الحقيقي لا يقبل الصمت أمام إهانة الإنسان أو اضطهاد الأبرياء. يقول الكتاب:
“افتح فمك لأجل الأخرس.”
ويقول أيضاً:
“تعلموا فعل الخير. اطلبوا الحق. أنصفوا المظلوم.”
إن الكنيسة التي تخاف من قول الحق تفقد جزءاً من رسالتها، والمؤمن الذي يصمت دائماً أمام الظلم يفقد قوة الشهادة.
لقد علّمنا المسيح أن نواجه الشر دون أن نصبح أشراراً، وأن نثبت في الحق دون أن نفقد محبتنا وإنسانيتنا. فالشجاعة المسيحية ليست عنفاً أو كراهية، بل ثباتاً في الحق مع المحبة.
إن عالمنا اليوم يحتاج إلى مسيحيين يشبهون الرسل والشهداء، لا يخضعون للخوف، ولا يكونون “أقصبة تحركها الريح”، بل شهوداً للحق والعدالة والكرامة الإنسانية.
فالشجاعة ليست صفة إضافية في حياة المؤمن، بل هي جزء من جوهر الإيمان المسيحي، لأن الكنيسة بُنيت على دماء الشهداء، وعلى رجال ونساء عرفوا أن الحق أغلى من الحياة نف





