القس رفعت فكرى سعيد
أثار مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين فى مصر نقاشًا واسعًا، لا سيما بعد خلوّه من نص واضح يُجيز التبنى، رغم أن المشروع ذاته قدّم مقاربة قانونية متقدمة فى بعض الملفات، وعلى رأسها المساواة فى الميراث استنادًا إلى المادة الثالثة من الدستور المصرى، التى تنص على أن «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود هى المصدر الرئيسى للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشؤونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية».

وهنا يبرز السؤال المشروع: إذا كانت المادة الثالثة قد استُخدمت لإقرار مبدأ المساواة فى الميراث باعتباره منسجمًا مع العقيدة المسيحية ومبادئ العدالة الدستورية، فلماذا لم يُفتح الباب أيضًا لمناقشة التبنى، وهو أمر له حضور واضح فى التراث المسيحى واللاهوت الكنسى والتاريخ الكنسى عبر قرون طويلة؟.

إن القضية هنا لا تتعلق فقط بإجراء قانونى، بل بفلسفة التعامل مع خصوصية المسيحيين داخل الدولة الوطنية الحديثة. فالتبنى فى الوعى المسيحى ليس مجرد ترتيب اجتماعى، بل يحمل بُعدًا إنسانيًا وروحيًا عميقًا. فالكتاب المقدس نفسه يستخدم مفهوم «التبنى» للتعبير عن علاقة الإنسان بالله:

«إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّى بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ» (أفسس ١: ٥).

وعبر التاريخ، عرفت المجتمعات المسيحية صورًا متعددة من احتضان الأطفال مجهولى النسب أو المحرومين من الرعاية الأسرية، باعتبار ذلك امتدادًا لرسالة الرحمة والمسؤولية الاجتماعية.

صحيح أن ثمة اعتبارات قانونية واجتماعية معقدة تحيط بملف التبنى فى مجتمع متنوع دينيًا وثقافيًا كمصر، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن فى غياب الحوار المجتمعى الواضح حوله، وكأن الملف جرى تجنبه لا حسمه. فالدولة التى اعترفت بحق المسيحيين فى تنظيم بعض شؤونهم وفق خصوصيتهم الدينية، مطالبة أيضًا بأن تفتح نقاشًا جادًا حول مدى اتساع هذا الحق وحدوده.

إن الاكتفاء بإقرار بعض المبادئ وترك أخرى، دون تفسير قانونى أو مجتمعى كافٍ، يخلق حالة من الالتباس. فالمواطنة لا تُبنى على التجزئة، ولا على منح بعض الحقوق وتأجيل أخرى بلا نقاش. كما أن احترام الخصوصية الدينية لا ينبغى أن يكون انتقائيًا أو خاضعًا للحسابات الاجتماعية.

ومن المهم التأكيد أن الحديث عن التبنى لا يجب أن يُختزل فى الجدل الفقهى أو الحساسيات المجتمعية، بل ينبغى أن يرتبط أيضًا بحقوق الطفل، وبحق الأسر غير القادرة على الإنجاب فى تكوين عائلة، وبدور الدولة فى توفير أطر قانونية تحمى الجميع من العشوائية أو الاستغلال.

لقد كان مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين خطوة مهمة طال انتظارها، لكنه فى ملف التبنى ترك سؤالًا مفتوحًا:

هل نحن أمام اعتراف كامل بخصوصية المسيحيين التشريعية، أم أمام اعتراف جزئى يتوقف عند حدود معينة؟.

إن المجتمعات الحية لا تخشى الحوار، والدساتير الحديثة لا تُبنى فقط على إدارة التوازنات، بل أيضًا على الشجاعة فى مناقشة القضايا المؤجلة، بروح المواطنة والعدالة واحترام التعددية.
نقلا عن المصري اليوم