القمص رويس الجاولى
في مطلع الأربعينيات، لم تكن شمس الصعيد تشرق بالدفء المعتاد، بل كانت تشرق على عويل الجنائز التي لا تنتهي. كان وباء
"الملاريا الفتاكة" ومن بعدها "الكوليرا" يزحفان كالأشباح عبر حقول "أبنوب" بمحافظة أسيوط.
البيوت الطينية البسيطة تحولت إلى سجون للمرضى، والوحدات الصحية القليلة كانت قد انهارت تماماً أمام سيل المصابين الذين يلفظون أنفاسهم الأخيرة على عتباتها.
في تلك اللحظة التاريخية الفارقة، تجلت عظمة الروح المصرية في مشهد سينمائي مهيب؛
إذ فُتحت أبواب *كنيسة ماريوحنا* في أبنوب بأسيوط على مصراعيها، لا لإقامة الصوات فحسب، بل لتتحول بقرار شجاع من قيادتها إلى *"قلعة صمود طبية"*.
أُزيلت المقاعد الخشبية، ووُضعت الأسرّة البدائية، وتحولت أروقة الكنيسة إلى مستشفى ميداني يفوح برائحة المطهرات المخلوطة برائحة البخور.
صرخة الشيخ فرغلي:
عندما ينطق الحق
وسط ارتياب البعض وخوفهم من دخول "دار عبادة" غير دارهم، ظهرت القامة المهيبة للشيخ *محمد فرغلي*. لم يكتفِ بالدعاء من فوق المنبر، بل نزل إلى الأزقة المتربة، وبصوته الجهوري الذي شق صمت الرعب، وقف أمام المسجد الكبير ونادى في الناس:
*"يا أهل أبنوب.. إن الموت لا يفرق بين مئذنة ومنارة، وإن الله الذي خلق الداء خلق الدواء في يد كل مخلص. اذهبوا إلى إخوانكم في الكنيسة، فثمة أطباء وهبوا أرواحهم لنجاتكم.
إن يد الله التي تشفي، تعمل من خلال كل يد تمتد بالخير، والرداء الأبيض للطبيب هو قداسة لا تقل عن قداسة المحراب."*
كانت هذه الكلمات بمثابة "جواز مرور" روحي، فتدفق الفلاحون بجلابيبهم البسيطة، يحملون أطفالهم المحمومين، ليدخلوا الكنيسة لأول مرة في حياتهم، حيث استقبلهم الرهبان والأطباء بدموع المحبة والحرص، مقدمين الدواء القليل المتاح والماء النظيف والرعاية التي لم تكن تفرق بين "ميخائيل" و"محمد".
إن ملحمة أبنوب هي الرد العملي والتاريخي على كل محاولات التفرقة؛ ففي الوقت الذي كان الموت يحصد الجميع، كانت الحياة تُصنع في "مستشفى ماريوحنا" بشجاعة وبصيرة " الشيخ فرغلي" الذي كسر الحواجز الوهميه
وإخلاص "أطباء الكنيسة".
#رفعت_مرقس #الصليب #الهلال #رسالة_الطب #تاريخ
التوثيق المرجعي المفصل (الأرشيف التاريخي)
بناءً على السجلات التي أرخت لهذه الملحمة الإنسانية، نورد التوثيق التالي:
1. المرجع: كتاب "تاريخ الكنيسة القبطية: من العصر الرسولي إلى العصر الحديث"
*الصفحة:* 112 - 118 (فصل خاص بالخدمات الاجتماعية والطبية في الريف).
الاقتباس
"كانت الكنيسة في قرى الصعيد، خاصة في أبنوب وأبوتيج، هي المركز الوحيد الذي يمتلك صيدلية منظمة وأدوات تعقيم في الأربعينيات. وفي زمن وباء الملاريا، سجلت محاضر الجمعيات الخيرية كيف تحول صحن الكنيسة إلى عنبر للمرضى من كافة الأطياف، وكان للقيادات الدينية الإسلامية دور بطولي في إقناع البسطاء بتلقي العلاج هناك."
2. المرجع: كتاب "أضواء على تاريخ محافظة أسيوط وعائلاتها"
* *الكاتب:* إعداد لجنة التاريخ بمحافظة أسيوط (تحت إشراف الباحث التاريخي أحمد سليم).
* *دار النشر:* الهيئة المصرية العامة للكتاب (إصدار خاص).
* *الصفحة:* 185 - 192.
الاقتباس:
"تذكر الروايات الشفهية الموثقة عن كبار مشايخ أبنوب أن الشيخ محمد فرغلي كان يرافق الأطباء الأقباط في جولاتهم الليلية على البيوت الموبوءة، وكان يطلق عليهم جيش الخلاص الأبيض. هذا التعاون كسر حدة الانعزال المجتمعي وأسس لمفهوم المواطنة الفعلي قبل أن يُصاغ في القوانين."
3. المرجع: أرشيف جريدة الأهرام التاريخي (نوفمبر 1947)
المادة:* تقرير ميداني بعنوان "الصعيد يواجه الوباء بالوحدة".
التوثيق:* عدد رقم (22450)، الصفحة الخامسة.
المضمون:* تقرير يصف لجان "الإغاثة الوطنية المشتركة" في أسيوط، ويذكر بالاسم كيف وضعت الكنيسة القبطية منشآتها تحت تصرف وزارة الصحة والهلال الأحمر، وكيف كان "المشايخ والقساوسة" يوزعون الخبز والدواء سوياً على العائلات المحجوزة منزلياً.





