زهير دعيم
على شرفة بيتي المطلّة على الشارع العامّ ، جلستُ هذا المساء أرتدي القميص الألمانيّ الأبيض ، وحولي الأعلام السوداء والحمراء والصفراء ترفرفُ ، كأنها تستعيد معي ذاكرة نصف قرن من العشق الكروي الجميل.
أمسكتُ - او بالأحرى تخيّلتُ أنّي امسكُ - مجسّم كأس العالم بين يديّ ، لا بوصفه معدنًا ذهبيًّا ، بل بوصفه رمزًا لطفولةٍ بعيدة ، وذكرياتٍ لا تشيخ ، وأيامٍ كانت فيها كرة القدم فرحًا خالصًا يهبط على القلوب مثل المطر.
منذ أكثر من خمسين سنة ، وأنا أشجّع المنتخب الألماني، يوم تقابلت انا وبعض الأصدقاء مع جروب الماني ، جاء لزيارة المطران الياس شقور كليّ الوقار، في انطوش الكنيسة الكاثوليكية في عبلين الجميلة عام 1974 – وكان عنده ربّما التلفزيون الوحيد في عبلّين - وبدأنا معهم نحضر المباريات ونشجّع معهم بلادهم ، حيث فازوا في تلك السنة بالكأس ، وكانت مباراتهم الأخيرة ضد الفريق الهولنديّ الرائع ، ففازوا عليه بهدفين لهدف واحد ، سجلهما برايتنر من ضربة جزاء وجيرد مولر ..ومن الجدير بالذكر أن الهدف الهولندي جاء من ضربة جزاء في الدقيقة الثانية ، وكان اسرع هدف - وربما ما زال - في تاريخ مباريات كأس العالم ، فأُصبنا بالإحباط في اوّل الامر ..ولكن يبقى الألمان المانًا .. وقد تألّق كل اللاعبين الالمان، وعلى وجه الخصوص يوهان كرويف وبيكنباور .
نعم .... لم يكن الأمر يومًا نزوة مشجّع عابر، أو انحيازًا مؤقتًا لفريقٍ قويّ ، بل والربّ يعلم ، علاقة طويلة تشبه الصداقة العميقة بين إنسانٍ وقيمٍ آمن بها.
أحببتُ الألمان في كرة القدم وفي نهج حياتهم ، لأنهم علّموني معنى الانضباط …
فكانوا وما زالوا يدخلون المباراة وكأنهم ذاهبون إلى موعد مع الواجب والشرف ، لا إلى استعراض عابر.
تعلمتُ منهم أن المباراة لا تنتهي إلا مع الصافرة الأخيرة ، وأن الإرادة قد تهزم التعب ، وأن الجماعية أجمل من الفردية ، وأن احترام الخصم جزء من أخلاق الرياضية .... وبايرن ميونيخ في هذه الأيام خير دليل .
كبرتُ وأنا أتابع أجيال ألمانيا المختلفة. من زمن العمالقة الذين كانوا يحوّلون المستحيل إلى ممكن ، إلى جيل الإبداع الحديث الذي مزج القوة بالمتعة .
بقي المنتخب الألماني بالنسبة لي مدرسة كروية وإنسانية معًا.
ومع ذلك ، لم أكن يومًا متعصبًا أعمى.....
فأنا أحبّ كل هدف جميل ، وكل لمسة كروية ساحرة ، وكل لاعب يحترم الفنّ الكروي.
أصفّق للبرازيل حين تُمتع، وللأرجنتين حين تُبدع ، ولفرنسا حين تجود ، واحزن لإيطاليا حين لا تُشارك ، ولأي فريقٍ يجعل الكرة قصيدةً تركض على العشب الأخضر .
لكنّ قلبي حين تبدأ ألمانيا اللعب ، يعرف جيدًا إلى أين يميل .
ربما لأن التشجيع الحقيقيّ ليس مجرد رياضة ، بل ذاكرة وقصيدة عمر.
فكلّ بطولة كأس العالم أو كأس أوروبا ، كانت بالنسبة لي محطة من محطات الحياة.
أتذكر أين كنت أجلس ، ومن كان يشاركني المشاهدة ، وكيف كانت فرحة الفوز أو مرارة الخسارة.
كرة القدم ليست اثنين وعشرين لاعبًا فقط وبعض لاعبي الاحتياط ، بل هي أيضًا وجوه الأصدقاء ، وضحكات العائلة ووشوشات الحفداء السبعة الذين باتوا يحفظون أسماء الكثير من اللاعبين في العالم ، ويؤيدون كل واحد منتخبًا يهمّه ، وايضًا أحاديث المقاهي ، وقلق الدقائق الأخيرة. فكثيرا ما أُصاب بالرهبة والخوف من النتيجة من خلال سير المجريات ، فأقفل تلفازي وانتظر النتيجة النهائية ، وكلّي خوف ورعدة ..
وفي هذه الصورة ؛ وانا ارتدي الزيّ الألمانيّ ، وأنا أجلس على شُرفة بيتي ، أشعر أنني لا أحمل رمز كأس العالم بيدي فقط ، بل أحمل سنوات طويلة من الشغف والانتظار والفرح…..
الأعلام من حولي ليست زينة عابرة ، بل إشارات وفاء لذاكرة رياضية رافقتني منذ الصّبا وحتى هذا العمر الجميل ، فكثيرًا ما رفرف العلم الألماني فوق سطح منزلي المتواضع، وظلّ يرفرف حتى وإن خرج الالمان من السباق .
كم تغيّر العالم خلال خمسين عامًا ........
تغيّرت الوجوه وتبدّلت الخطط ورحل نجوم وجاء آخرون ، لكنْ كرة القدم بقيت قادرةً على جمع الناس حول الفرح .
وما أجمل أن يبقى الإنسان وفيًا لشيءٍ أحبه منذ البدايات.
أنا لا أشجّع ألمانيا لأنها تفوز دائمًا ، بل لأنني وجدتُ فيها صورةً للجديّة والاحترام والإصرار.
وحين يخسر المنتخب الألماني ، أبقى أحترمه ؛ لأن القيمة الحقيقية ليست في الكأس وحدها ، بل في الروح التي تقاتل حتى النهاية.
واليوم ، بعد أكثر من نصف قرن من التشجيع ، ما زلتُ أشعر بالحماسة ذاتها عندما تبدأ مباراة كبيرة.
أجلس أمام الشاشة كطفلٍ ينتظر المفاجأة ، وأتابع الكرة بعين المحبّ لا بعين المتعصّب ، فالرياضة في النهاية أخلاق وجمال ومحبّة بين الشعوب.
لهذا أحببتُ ألمانيا… ولهذا بقي هذا الحبّ حيًّا في قلبي كل هذه السنين.
ولهذا اكاد أجزم أن الكأس في هذه السّنة سيكون المانيًّا !!!





