العذراءُ مريم أُمُّنا في "نظام النّعمة" والشّفيعةُ والمحاميةُ والنّصيرةُ والظّهيرةُ والوسيطةُ للبشر (1)

(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
من جهة "النّعمة" و"الخلاص"، ليست العذراءُ مريم "مثالَنا النّموذجيّ" في الإيمان، والرّجاء، والمحبّة، والطّاعة، والعفّة، والأُمومَة، والبتوليّة، والفضائل الأخرى فحسب، أي "الأُنموذَجيّة المريميّة"، وإنّما هي متعاوِنة ومشارِكة ومساهِمة –بنوع فريد– في "عمل المسيح الخلاصيّ" أيضًا، وتلعب دورًا بالغ الأهمّيّة بالنسبة للكنيسة والبشريّة جمعاء. فهي بقولها "نَعَمْ" (لو 1/ 38)، وبتقديم ذاتها كليًّا لله الأحد-الواحد-الثَّالوث، قد تعاونت وشاركت وساهمت معه، وتحت أمره، وبنعمته، في عمله الخلاصيّ.

لقد تناول المجمعُ الفاتيكانيّ الثَّاني قضيّةَ "مساهمة" أو "مشاركة" أو "شراكة" العذراء مريم في عمل الخلاص، فقال: «قد تجاوبت بملء رضاها وإرادة الله الخلاصية دون أن تُعيقها أيةُ وصمةِ خطيئةٍ، بتقديم ذاتها كليًا أمةً للربِّ لشخصِ ابنها وعمله، لتُسهِم معه وتحت أمره في سرِّ الخلاص وذلك بنعمة الله القدير. وهكذا يَعتبر الآباء القديسون بحقٍّ أنَّ مريم لم تسهم في خلاص البشر كأداةٍ سلبية بين يدي الله فقط، وإنّما بحرَّيةِ إيمانها وطاعتها. وبالفعل هي نفسها بطاعتها، على حسب قول القديس إيريناوس "قد غدت سبب خلاصٍ لِذاتها وللجنس البشري بأجمعه". ولقد عبَّرَ عن ذلك معه وبرضى عددٌ غفيرٌ من آباءِ الكنيسة الأولين في مواعظهم إذ قالوا، "إن العقدة التي سبَّبَها عصيان حواء، حُلَّت بطاعةِ مريم؛ وما ربطته العذراء حواء بقلَّة إيمانها، حلَّته مريم العذراء بإيمانها"؛ وبمقارنتهم مريم بحواء، يسمون مريم "أمَّ الأحياء". ويصرِّحون مِرارًا "على يد حواء كان الموت، وبمريم كانت الحياة"» (م. ف، "نور الأمم"، بند 56).