دكتور مهندس/ ماهر عزيز
22 مايو 2026
هناك ثلاث مشكلات جوهرية في وضع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين :
المشكلة الأولي هي أن القانون لا ينظم علي نحو صريح الحياة المدنية للمسيحيين، لأنه ليس صادرا عن الدولة مستقلة عن الكنيسة، بل ينظم الضمير الديني تحت عباءة الدولة المدنية، ويشرعن الضمير الديني وفقا للكنيسة.
والمشكلة الثانية أن الكنيسة ليست كنيسة بل كنائس متعددة لكل منها نظمها الخاصة.
أما المشكلة الثالثة فهي إصرار الدولة علي عقص القانون الذي ينظم علي نحو مدني الضمير الديني المسيحي .. عقصه تجاه الضمير الديني الإسلامي بدعوي النظام العام، لأن النظام العام في جوهره ليس مدنيا بل صادرا عن الدين الإسلامي تحت عباءة مدنية الدولة، حتي لقد صرح قطب ديني مسيحي بأن 40% من القانون يتفق مع الشريعة الإسلامية، بينما القانون وفقا للمادة الثالثة من الدستور يتعين أن يوافق 100% الشريعة المسيحية.
علي أنه إذا افترضنا أنه قد تم التجلي الخالص لمدنية الدولة في قانون مدني صرف للأحوال الشخصية للمسيحيين، تماما كما في دول المدنية الخالصة - علي النموذج الغربي - التي فصلت علي نحو قاطع بين العالم والدين، لابد سينهار في التطبيق النهائي مصطدما بالضمير الديني، لأن المسيحي المصري تحت جناح الكنائس الثلاث لا يقبل سوي الخضوع لمشيئة الضمير الديني كعقيدة إيمانية في القدسية الدينية للزواج، وسائر الأحوال الشخصية الحياتية، بحسب النصوص المقدسة، وهنا بؤرة الإشكال وجوهره لأن الزواج والشئون الشخصية تصطدم هكذا لا محالة بالفهم الخاص لكل كنيسة لآيات الكتاب المقدس تجاه تنظيم الحياة الدنيا للمؤمنين .
المشكلة متعددة الأبعاد وتصطدم في النهاية بالكيفية التي تفسر بها كل كنيسة الآيات المتعلقة بحياة المسيحي في العالم، وهل هو تفسير يعتمد الفهم الحرفي لكلمات الله أم الفهم الجوهري لضمير الله، خاصة وأن الحرفية تتلبس بالبناء اللغوي البشري في تعدديته التاريخية المتنقلة من لغة إلي لغة مختلفة، تتموضع فيها معاني الكلمات الكتابية بحسب العقل التاريخي المركب الممتد الذي يتحكم في كل كنيسة من الكنائس الثلاث.
وذلك واضح كأجلي ما يكون في آيات الطلاق، حيث تفهمها كنيسة علي نحو حرفي قح بأنها مانعة إطلاقا للطلاق، وتفهمها كنيسة أخري علي نحو حرفي مباشر بأنها تسمح بالطلاق في حالة الزني الجسدي البحت، وتفهمها كنيسة ثالثة تتعمق الإدراك الجوهري لضمير الله بوصف الزني خيانة لعهد الزواج، أشمل كثيرا جدا من الخطيئة بالجسد، التي هي فقط إحدي تجليات خيانة عهد الزواج، لأن الخيانة تنسحب علي صور أخري للغدر بالعهد، ربما أشد وأنكي من الخيانة بالجسد، ألا وهي الخيانة بالقلب والروح والضمير، ما تتجلي بأوضح مايكون في كسر العهد بالمعاملة الوحشية، وكل صور استحالة العشرة.
ويتضح اختلاف الفهم لآيات الكتاب كأجلي ما يكون كذلك في مسألة الزواج الثاني بعد الطلاق، أو زواج الخاطئ بعد توبته الحقيقية الخالصة، فحيث يأتي قول السيد المسيح قاطعا لمن أمسكت في ذات الفعل : "اذهبي ولا تخطئي أيضا" بعدما توبها وغفر لها ، بما يحمل تصريحا صريحا لا لبس فيه بالزواج الثاني في "اذهبي"، التي تحمل معني : "اذهبي عيشي حياتك في البر والكرامة"، بما يتضمن بمنتهي القوة والوضوح "الزواج الثاني"، تجد كنيسة تفهمها صريحة وكنيسة أخري تعاند في فهمها بدعوي أن السيد المسيح لم يقلها صريحة لها : "اذهبي وتزوجي مرة أخري"، ويجادلون ويماطلون ويلتوون بأن يسوع لم يقلها صريحة : "اذهبي وتزوجي"، بينما "اذهبي" وحدها فيها كل المعني الصريح للحياة الجديدة المنتصرة .. الحياة بزخمها، وكلها، واكتمالها، بالضرورة شاملة للزواج الثاني، ورغم ما يمثله عدم الفهم للآية كما هي من مغالطة سافرة للحق الكتابي، فإن الزعم نفسه بأن يسوع لم يقلها صراحة : "تزوجي ثانية" يعاند المنطق السليم والإدراك اللغوي البحت.
هذا الفهم المختلف متعدد الطبقات للإدراك اللغوي يجعل القانون ممزقا، ليس بين الدولة والكنيسة فحسب، بل بين الكنائس بعضها والبعض الآخر أيضا، وتلك فاجعة حقيقية لا راد لها في المستقبل القريب.





