الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
«قالوا الشيطان قادر وله ألف صورة
قلنا ما يقدر ع اللّي خيره لغيره»
كلمات الشاعر: سيّد حجاب
غناء: علي الحجّار
ألحان: ياسر عبد الرحمن
«قالوا الشيطان قادر وله ألف صورة
قلنا ما يقدر ع اللّي خيره لغيره»

كلّ مرّة بسمع الجملة دي بحسّ إنّ فيها حكمة روحيّة عميقة جدًا، لأنّها بتقول إنّ الإنسان اللي عايش لغيره، واللي قلبه مش مقفول على نفسه، يبقى أصعب على الشرّ إنّه يبتلعه. وده حقيقي فعلًا. الإنسان الأناني أسهل بكتير يقع في عبادة المال والقوة والرغبة والسيطرة، لأنّه أصلًا بيلف حوالين نفسه. لكن الإنسان اللي «خيره لغيره» فيه شيء بيقاوم الخراب الداخلي.

بس وأنا بسمع الأغنية، دماغي راحت شوية لمعناها من وجهة النظر المسيحيّة. حسّيت إنّ المسيحيّة شايفة الموضوع بصورة أعمق وأخطر شوية من مجرّد فكرة: «كن كويس عشان الشيطان ما يغلبكش».

لأنّ المسيحيّة أصلًا مش مشروع أخلاقيّ بس هدفه إنتاج ناس مؤدّبة أو محترمة أو طيّبة فقط. المشكلة، في نظر المسيحيّة، مش إنّ الإنسان أحيانًا بيعمل غلط. المشكلة أعمق بكتير: إنّ الإنسان نفسه بقى مكسور من جوّه. فيه علاقة اتكسرت بين الإنسان والله، ومن ساعة الشرخ ده حصل، والإنسان بقى تايه حتّى وهو فاكر إنّه عارف طريقه.

عشان كده، الخطيئة في المسيحيّة مش مجرّد "أفعال وحشة وشريرة". الخطيئة في العمق هي حالة انفصال. اغتراب. إنّ الإنسان يبقى عايش بعيد عن مصدر الحياة والصلاح نفسه. وده اللي يخلّي الإنسان أحيانًا يعمل الشرّ وهو أصلًا مش مرتاح، أو يفضّل يجري ورا حاجات تفرحه وتملأه وما يشبعش أبدًا.

ومن هنا ييجي عمق فكرة الخلاص في المسيحيّة. ربّنا ما وقفش من بعيد يقول للبشر: "اتصرّفوا صحّ وبعدها هحبّكم". بالعكس. المسيحيّة بتقول إنّ ربّنا هو اللي نزل بنفسه للإنسان، ودخل الكسر ده وموته وخوفه ووحدته، ومن خلال يسوع المسيح حصل نوع من إعادة وصل بين الإنسان والله. عشان كده المسيح، في الإيمان المسيحيّ، مش مجرّد معلّم أخلاق، هو "الإنسان" اللي فيه الإنسانيّة نفسها رجعت تتقابل مع ربّنا من جديد. وده اللي كان يقصده ابابا لاون الرابع عشر في شهر مايو ٢٠٢٦ لما قال: «محبّة الله هي الشرط لبرّنا، وليست مكافأة على حفظنا للوصايا». الجملة دي تهزّ أي فهم سطحيّ للدين. لأنّ أغلبنا متربّي دينيًّا على فكرة: "اعمل الصحّ عشان ربّنا يحبّك". لكن المسيحيّة تقول العكس تقريبًا: ربّنا حبّك أوّلًا، ومن جوّه المحبّة دي تبدأ أنت تتغيّر.

يعني الخير، في المسيحيّة، مش سلّم نصعد به إلى الله، لكن ثمرة علاقة حيّة مع الله. الإنسان لما يدخل فعلًا في شركة مع ربّنا، يبدأ الخير يطلع منه بصورة طبيعيّة، لأنّه بدأ يتشفى من الداخل. وده فرق ضخم جدًا بين دين قائم فقط على الأخلاق، وبين الإيمان المسيحيّ بوصفه خبرة شفاء ومصالحة. لأنّ المسيحيّة ما بتقولش للإنسان: "شدّ حيلك وخليك صالح". لكنها بتقول له: "تعالَ للآب، واتركه يرمّم الإنسان المكسور اللي جواك".

وعشان كده، حتّى الخير نفسه، في المسيحيّة، ما يبقاش مجال للفخر الروحيّ أو الشعور بالتفوّق. لأنّ الإنسان الحقيقيّ اللي قابل محبّة الله يعرف إنّه هو نفسه كان محتاج رحمة وخلاص وشفاء، وإنّ أي نور خرج منه بدأ أصلًا من نور أكبر دخل إليه.