الدكتور القس رفعت فتحي

هناك قوانين تُولَد من حاجة الإدارة إلى التنظيم، وقوانين تُولَد من وجع الناس. ومشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين ينتمي، في جوهره، إلى النوع الثاني؛ فهو لا يتحرك في فراغٍ تشريعي بارد، بل يدخل إلى منطقة إنسانية شديدة الحساسية، تراكمت فيها الآلام طويلًا بين زواجٍ قائم في الأوراق، وحياةٍ انتهت في الواقع، وأحكامٍ قضائية لا تجد دائمًا طريقها إلى الاستقرار الكنسي، وأسرٍ ظلّت معلّقة بين قداسة العهد واستحالة العِشرة.

 

وقد جاءت موافقة مجلس الوزراء، في 22 أبريل 2026، على مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين لتعلن بداية مرحلة جديدة في هذا الملف، تنفيذًا للتوجه نحو إحالة مشروعات قوانين الأسرة إلى البرلمان، وبما يحفظ حقوق الأطراف ويعزز الاستقرار الأسري والمجتمعي.   غير أن أهمية المشروع لا تنبع فقط من توقيته، بل من كونه محاولة لجمع شتات اللوائح والاجتهادات في نصٍّ واحد، يستند إلى المادة الثالثة من الدستور، التي تجعل مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشؤونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية.  

 

من شتات اللوائح إلى قانونٍ واحد

طوال عقود، لم تكن أزمة الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر أزمة نصوص فقط، بل أزمة مرجعية أيضًا. فالمواطن المسيحي كان يتحرك بين لائحة قديمة، وتعديل كنسي، وحكم قضائي، واجتهاد محكمة، وقرار طائفي. لذلك تبدو قيمة القانون الجديد في أنه يسعى إلى نقل الملف من التبعثر إلى الوضوح، ومن المعالجة الجزئية إلى الرؤية الشاملة.

 

وهنا تحديدًا تكشف أحكام محكمة النقض أهمية وجود قانون واضح؛ فقد قررت المحكمة في الطعن رقم 36 لسنة 29 قضائية، جلسة 6 فبراير 1963، أن تطبيق شريعة غير المسلمين في مسائل الأحوال الشخصية يتوقف على اتحاد الخصوم في الطائفة والملة، مع عدم مخالفة النظام العام.   وهذا المبدأ، على أهميته، فتح عمليًا بابًا واسعًا للتعقيد حين اختلفت الطائفة أو تغيّرت الملة أو لم تكن القواعد الخاصة واضحة بما يكفي. ومن ثمّ، فإن القانون الجديد لا يأتي ترفًا تشريعيًا، بل ضرورة لإنهاء الالتباس.

 

الهجر ثلاث سنوات: حين يعترف النص بما انتهى فعليًا

من أهم مواضع التقدم في المشروع النص على أن الهجر المتصل لمدة ثلاث سنوات يجيز طلب الطلاق، وهي مدة تم التوافق عليها باعتبارها كافية للكشف عن انقطاع الحياة الزوجية واستحالة استمرارها. وهذه النقطة تمثل تحولًا جوهريًا؛ لأنها تنقل القانون من السؤال الضيق: “هل وقع فعلٌ محدد يبرر الطلاق؟” إلى سؤال أكثر إنسانية وواقعية: “هل  الحياة الزوجية لا زالت قائمةً أصلًا؟”

 

فالزواج في الرؤية المسيحية ليس قيدًا شكليًا، بل عهد محبة وشركة ومسؤولية. فإذا غاب أحد الطرفين ثلاث سنوات متصلة، وانقطعت المشاركة، وسقطت المساندة، وتحول البيت إلى ذكرى أو عنوانٍ بلا حياة، فإن القانون لا يهدم الزواج، بل يعترف بأن الهدم قد وقع بالفعل. الرحمة هنا ليست خروجًا على قداسة الزواج، بل حماية للإنسان من أن يتحول العهد إلى سجن.

 

الزنا الحُكمي والخيانة الرقمية

ومن ملامح المشروع المهمة توسيع النظر إلى الخيانة الزوجية، بحيث لا تقتصر على الصورة التقليدية الضيقة. ففي زمن الرسائل الخاصة، والمنصات الرقمية، والعلاقات السرية العابرة للشاشات، لم تعد الخيانة فعلًا جسديًا فحسب، بل قد تكون سلوكًا ممتدًا يهدم الثقة، ويكسر الأمان، ويطعن قداسة الشركة الزوجية في صميمها.

 

لكن هذا التوسع، رغم ضرورته، يحتاج إلى ضبط دقيق. فالقرائن الرقمية قد تكشف الحقيقة، وقد تُستعمل أيضًا للكيد أو التشهير أو انتهاك الخصوصية. وهنا ينبغي أن يكون دور القاضي حاسمًا وحكيمًا: لا يفرّط في حماية الطرف البريء، ولا يفتح الباب أمام تحويل الحياة الخاصة إلى ساحة فضائح. فالقانون العادل لا يكتفي بإثبات الخطأ، بل يحمي الكرامة حتى في لحظة الخصومة.

 

الميراث والمساواة: خطوة عادلة تحتاج إلى نص حاسم

من أبرز إيجابيات المشروع اتجاهه إلى تثبيت مبدأ المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة داخل الأسرة المسيحية. وهذه ليست مجرد مسألة مالية، بل إعلان واضح عن كرامة متساوية وشراكة كاملة. فالمرأة في الفهم المسيحي ليست منقوصةً الكرامة ولا تابعًا في الحقوق، بل شريكة في الخلق والمسؤولية والنعمة.

غير أن هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى صياغة تشريعية لا تحتمل اللبس؛ لأن محكمة النقض قررت في الطعن رقم 3 لسنة 74 قضائية، جلسة 14 فبراير 2017، أن أحكام الشريعة الإسلامية والتقنينات المستمدة منها تسري على جميع المصريين، مسلمين وغير مسلمين، في شأن المواريث، ومنها تعيين الورثة وتحديد أنصبتهم.   لذلك فإن القانون الجديد، إن أراد حسم المساواة، يجب أن يكتبها بنص صريح قادر على إنهاء التضارب بين المبدأ الدستوري، والخصوصية الدينية، والاجتهادات القضائية السابقة.

الخطبة: حماية البداية قبل اكتمال الزواج

يحسن بالمشروع أيضًا أن يتناول الخطبة بوصفها مرحلة جدية لها آثارها النفسية والاجتماعية والمادية. فالخطبة ليست زواجًا، لكنها ليست عبثًا. فيها وعود، وثقة، وهدايا، ونفقات، وسمعة عائلية، وانتظار مشروع. ومن ثمّ، فإن تنظيمها قانونيًا لا يعني مصادرة المشاعر، بل حماية الجدية ومنع التلاعب.

 

إن الأسرة القوية لا تبدأ يوم الزواج فقط، بل تبدأ من لحظة الوضوح الأولى. وكلما كانت الخطبة مؤسسة على الصدق والمسؤولية، صار الزواج أقدر على الثبات، وصار الانفصال ـ إن وقع قبل الزواج ـ أقل إيلامًا وظلمًا.

سلبيات لا يجوز تجاهلها

مع كل ما سبق، لا ينبغي أن يتحول الترحيب بالمشروع إلى احتفاءٍ بلا نقد. فالقانون، رغم أهميته، لا يزال يحمل سلبيات وفجوات تحتاج إلى شجاعة تشريعية أوسع.

أولى هذه السلبيات عدم إدراج التبنّي في القانون. وهذه فجوة كبيرة، لا سيما أن التبنّي حاضر في الوجدان المسيحي وفي الاحتياج الإنساني لكثير من الأسر والأطفال. وقد انتقدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية غياب التبنّي عن المشروع، مشيرة إلى أن القواعد المسيحية تتيحه، بينما اقتصر المشروع على بدائل أخرى لا تحقق المعنى الكامل للأسرة البديلة.   إن غياب التبنّي لا يحرم أسرًا من تحقيق أبوّتها وأمومتها فقط، بل يحرم أطفالًا من اسمٍ وبيتٍ وانتماءٍ مستقر.

 

ثاني السلبيات أن القانون لا يحسم بالكامل العلاقة بين الحكم القضائي بالطلاق والتصريح الكنسي بالزواج الثاني. فإذا حصل شخص على حكم مدني بإنهاء الزواج، ثم بقي عاجزًا عن الزواج كنسيًا، فإن الأزمة لا تنتهي، بل تنتقل من قاعة المحكمة إلى باب الكنيسة. وهنا يصبح المطلوب تنسيقًا رعويًا وقانونيًا، حتى لا تظل فئة من المواطنين في وضع “المعلّقين” بصورة جديدة.

 

ثالث السلبيات أن القانون قد يواجه صعوبة في الموازنة بين وحدة النص واختلاف الطوائف. فالوحدة التشريعية مطلوبة، لكنها إن صيغت بعمومية مفرطة قد تترك تفاصيل حساسة للاجتهاد، وإن صيغت بصرامة زائدة قد تصطدم بخصوصيات عقائدية. والتاريخ القضائي يؤكد هذه الحساسية؛ إذ استقر قضاء النقض على أن تغيير الطائفة أو الملة لا ينتج أثره بمجرد الرغبة، بل يلزم قبوله من الجهة الدينية المختصة واستكمال إجراءاته.   وهذا يعني أن أي غموض في النص قد يعيد إنتاج مشكلات تغيير الملة والتحايل الإجرائي.

 

رابع هذه السلبيات تتعلق بسرعة التقاضي. فالقانون العادل إذا طال طريقه خسر جزءًا من عدالته. صحيح أن قانون إنشاء محاكم الأسرة رقم 10 لسنة 2004 وضع إطارًا مؤسسيًا لمحاكم الأسرة ومكاتب التسوية، لكن التجربة العملية تؤكد أن النصوص وحدها لا تكفي ما لم يصاحبها تدريب، وسرعة فصل، وخبرة نفسية واجتماعية، وإدراك لطبيعة النزاع الأسري.  

خاتمة: قانون يفتح الباب… ولا يغلق الأسئلة

إن مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين خطوة مهمة في طريق طال انتظاره. قوته أنه يعترف بالواقع، ويمنح الهجر الممتد وصفًا قانونيًا، ويفتح بابًا للمساواة، ويحاول أن يخرج الأسرة المسيحية من دوائر التشتت والالتباس. لكنه، في الوقت نفسه، ليس نصًا مكتمل الشجاعة بعد؛ فغياب التبنّي، وغموض العلاقة بين الحكم المدني والتصريح الكنسي، واحتمال تفاوت تقدير الزنا الحُكمي، وتحديات سرعة التقاضي، كلها أسئلة لا يجوز تأجيلها.

 

 

القانون العظيم ليس الذي يحمي المؤسسة حتى لو انكسر الإنسان، ولا الذي يطلق الحرية بلا مسؤولية، بل الذي يرى الإنسان والأسرة معًا. وإذا استطاع هذا المشروع أن يوازن بين قداسة الزواج وكرامة المتألمين، بين حرية الضمير واستقرار المجتمع، بين النص القانوني والرحمة الواجبة، فسيكون أكثر من قانون جديد؛ سيكون بداية مصالحة حقيقية بين العدالة والحياة.

نقلا عن البوابة نيوز