محمد أبوقمر
المرجيحه :
كان مازال صغيرا يوم أن صحا من نومه مبكرا وأيقظ أمه قائلا لها :
لبسيني ياماما لبس العيد بسرعه علشان علشان زينب زمانها جايه.
اندهشت أمه وقالت له :
عيد إيه ياجورج وزينب مين؟!!
اندهش جورج هو الآخر من سؤال أمه وقال لها :
النهارده العيد الكبير ياماما ، إنتي لسه نايمه و لا إيه ، يالا لبسيني لبس العيد علشان أنا رايح المراجيح مع زينب .
ضحكت الأم وقالت لإبنها :
العيد ده ياجورج مش عيدنا ، إحنا مسيحيين والعيد ده بتاع المسلمين.
استغرب جورج من كلام أمه ولم يفهم شيئا مما قالته ، وظن أنها لا تريد أن تعطيه العيديه ، وقال لها وهو يكاد يبكي :
إنتي بتقولي إيه ياماما ، يعني إيه مسيحيين ويعني إيه مسلمين ، مليش دعوه ، أنا عايز ألبس بسرعه وعايز العيديه علشان أركب المراجيح مع زينب.
حاولت أمه إفهامه معني كونه مسيحيا وان المسلمين لهم أعيادهم بينما المسيحيين لهم أعياد مختلفه ، لكن جورج لم يفهم ، وظن أن أمه تختلق حكاية الاسلام والمسيحية هذه لأنها لم تشتر له ملابس جديده للعيد ، ولا تريد أن تعطيه العيديه لكي يركب المراجيح مع زينب .
انطلق جورج في البكاء ، وظل يبكي إلي أن دق الباب ، وعندما فتح الباب مدت زينب يدها بسرعه وشدته من ذراعه ونزلا معا درجات السلم قفزا وهي ممسكة بيده حتي أصبحا في الشارع وهي تقول له : إجري بسرعه أحسن العيال كلهم سبقونا علي المراجيح ياجورج .
قبل أن يصلا إلي المراجيح بدأ جورج يشكي لها من أمه التي لم تشتر له ملابس العيد ولم تعطه العيديه ، وقال لها : أمي قالت لي إنك إنتي مسلمه وأنا مسيحي وإن العيد ده بتاعك إنتي مش بتاعي ، لكن زينب قالت له : أمك زي أمي ، الاتنين بيتحججوا بالكلام ده علشان ممعهومش فلوس يشتروا لنا هدوم جديده للعيد .
لم يكن جورج قد لاحظ أن زينب ترتدي مريلة المدرسه ، لكنها لما قالت له أمك زي أمي نظر إليها في أسي وقال لها :
هي أمك قالتلك برضه إن إنتي مسيحيه وجورج مسلم علشان مجبتلكيش فستان للعيد ؟
ضحكت زينب وقالت له : مفيش حاجه كده ، كل الحكايه هي إن أنا بنت وإنت ولد ، وأمي وأمك ممعهومش فلوس ، وعلشان كده الاتنين بيألفوا أي كلام.
لم يكن جورج يفهم يعني إيه هو مسيحي ، وهي لم تكن تفهم يعني إيه هي مسلمه ، هو فقط لم يكن يعرف سوي أن زينب زميلته التي تجلس معه في نفس الدكه في الفصل ، كان يحب سماع صوتها وهي تطلب منه المسطره ، وكان يتوه عندما يشم أنفاسها وهي تحدثه ، ولم يكن ينتبه لشرح المدرس لأنه مشغول بالنظر إلي شعرها الناعم الذي كانت تربطه كذيل الحصان ، وكان يسرح وهو ينظر إلي إصبعها الملفوف مثل الشيكولاته حين ترفعه لكي تجيب علي أسئلة المدرس ، وكان يحشر إسمها بين الكلمات في حصة الإملاء.
هي أيضا لم تفهم صراخ أمها وهي تقول لها إنتي مسلمه لكن جورج مسيحي ، لم تكن تعرف سوي أن جورج زميلها الذي لا تحب أن تجلس في الفصل بجوار أحد غيره ، كانت تعشق لون بشرته السمراء ، وكانت وهي تتبادل معه السندويتشات تحب أن تراقبه وهو يقضم السندويتش وتقول له : أسنانك بيضا ياجورج ومصفوفه جنب بعضها زي حبات اللؤلؤ ، ومناخيرك مدوره وصغيره خالص ، وعينيك واسعه ، ثم تكمش خصله من شعره وتقول له : نفسي أديك شعري وآخد شعرك إللي بيلمع أوي ده .
كانا قد وصلا إلي المراجيح ، وهناك وقفا يراقبان المرجيحه في خوف وهي تدور وتأخذ ركابها إلي أن يصلوا قرب السحاب ، منظرهما وهما يحضنان بعضهما من شدة الخوف لفت نظر صاحب المرجيحه إليهما ، تعجب الرجل ، إذ كان الولد يرتدي البيجاما ،بينما ترتدي البنت مريلة المدرسه ، اقترب منهما وسألهما عما إذا كانا يرغبان في ركوب المرجيحه لكنهما تحرجا من القول بأنهما لا يملكان نقودا لكي يركبا ، وفوجيء الرجل بالولد وهو يقول له :
أمي قالت لي إنت مسيحي والعيد دا مش بتاعك.
فيما سألته البنت : هو المراجيح مسلمه ولا مسيحيه ياعمو؟
كاد الرجل يبكي لكنه استدار فجأة وأوقف المرجيحه ، ثم رفع زينب وأركبها ورفع جورج وأركبه بجانبها ، ثم ضغط زر تشغيل المرجيحه ، وعندما دارت المرجيحه وصار الطفلان في الأعلي قرب السحاب ، نظر الرجل إليهما وهما علي القمة وهو يقول في نفسه : أظن أن الله أنزل الأديان لكي يري هذين الطفلين يحبان بعضهما هكذا.





