العذراءُ مريم "أُمُّ الكنيسة" (2)

(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)

ثانيًا: البابا يوحنّا بُولس الثّاني
في عام 1987، كرّر البابا يوحنّا بُولس الثّاني (1920-2005) لقبَ "أُمّ الكنيسة" الخاصّ بالعذراء مريم، في رسالته العامّة "أُمّ الفادي". ففي سياق حديثه عن العذراء مريم في حياة الكنيسة، وحياة كلّ مسيحيّ، أوضح ما يلي: 

«لقد أعلن بولس السادس رسميًّا، أثناء انعقاد المجمع [الفاتيكانيّ الثّاني]، أن مريم هي أمّ الكنيسة، أعني "أمّ شعب الله بأجمعه، مؤمنين ورعاة". وعاد إلى تأكيد ذلك بقوّة أعظم عام 1968، في صورة الاعتراف بالإيمان المعروفة باسم "دستور إيمان شعب الله"، حيث قال: "نؤمن أن والدة الإله الفائقة القداسة، حوّاء الجديدة، أمّ الكنيسة، تواصل في السماء دورها الوالدي حيال أعضاء المسيح، بإسهامها في ولادة الحياة الإلهيّة في نفوس المفتدين، وتنميتها". 

لقد أظهر تعليم المجمع أن حقيقة العذراء الفائقة القداسة، والدة المسيح، تفيد التعمّق في حقيقة الكنيسة. وبولس السادس أيضًا، يوم تكلّم في وثيقة "نور الأمم" غداة أن أقرّها المجمع، أعلن: "أن معرفة حقيقة العقيدة الكاثوليكية بشأن الطوباوية مريم العذراء، ستكون دوماً مدخلًا يمكّننا من أن نتفهَّم في دقة سرّ المسيح والكنيسة". إن مريم حاضرة في الكنيسة بوصفها أمّ المسيح، وفي الوقت نفسه الأم التي أعطاها المسيح الإنسان في شخص الرسول يوحنا، في سرّ الفداء. ذلك ما يجعل مريم، بهذه الأمومة الجديدة في الروح القدس، تلّفنا جميعًا، وكل واحد منّا، في الكنيسة. وبهذا المعنى بالذات نقول أن مريم أمّ الكنيسة، هي في الوقت نفسه، مثال الكنيسة. ذلك أن الكنيسة "يجب أن تجد في العذراء والدة الإله، الصورة الأكثر أمانة للاقتداء الكامل بالمسيح". ذلك ما يطلبه بولس السادس ويتمنّاه.

هذه الصلة الخاصة التي تربط بين أمّ المسيح والكنيسة، يمكنها أن تزيد إضاءة سرّ "المرأة". تلك التي تلازم وحي مخطّط الخلاص الذي أعدّه الله للبشرية، منذ الفصول الأولى من سفر التكوين حتى سفر الرؤيا. ذلك، أن مريم، الحاضرة في الكنيسة بوصفها أمّ الفادي، تسهم في حنان الأمومة، "في المعركة ضدّ قوى الظلام"، هذه المعركة التي نشهدها عبر تاريخ البشر كلّه. وانطلاقًا من التطابق بين الكنيسة "والمرأة الملتحفة بالشمس" (رؤيا 12 : 1)، يمكن القول أن "الكنيسة، قد بلغت، في شخص العذراء الطوباويّة، الكمال الذي يجعلها "لا كلف فيها ولا غضن"، ولذلك، فإذ يرفع المسيحيون أعينهم، في إيمان، إلى مريم، عبر مسيرتهم على الأرض، "يصوّبون جهدهم للنموّ في القداسة". إن مريم، ابنة صهيون المثلى، تساعد أبناءها جميعًا، حيثما كانوا، وأيًّا كانت طريقة عيشهم، على أن يجدوا في المسيح الطريق التي تقود إلى بيت الآب. فالكنيسة، تحافظ، إذن، في حياتها كلها، على صلتها بوالدة الإله، وهذه الصلة تشمل، في سرّ الخلاص، الماضي والحاضر والمستقبل. وهي تكرمها، بوصفها أمّ البشرية، بحسب الروح، ووسيطة النعمة».