(Magnifica Humanitas)
(2) التأطيرُ التعليميّ


(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
إنّ الرسالة العامّة الأُولى للبابا لاوُن الرابع عشر «الإنسانيّة الرائعة» (Magnifica Humanitas)، هي وثيقةٌ مندرجة ضِمْن وثائق "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ". وهذا عنصرٌ مهمّ لوضع إطارٍ عامّ (التأطير) لهذه الوثيقة الحَبريّة الجديدة، من أجل قراءةٍ وفهم جيّدَيْن؛ إذ إنّ هذا الإطار العامّ يكمن في كونها وثيقةً مرتبطة بـ"تعليم الكنيسة الاجتماعيّ". فما هو يا تُرى "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ"؟ وما هي أبعاده ومجالاته؟

كما يشير البابا لاوُن الرابع عشر، علينا أن نتذكّر أنّ أوّل مَن استخدم مصطلحَ "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ"، هو البابا بيوس الثاني عشر (1939-1958)، في إرشاده الرسوليّ «في ذهننا -Menti Nostrae» (23 سبتمبر/ أيلول 1950). ومع ذلك، يُعَدُّ البابا لاوُن الثالث عشر (1878-1903) أوّل مَن سطرّ محتوى ما تُعرَف اليوم بأنّها أُولى وثائق هذا التعليم كمجموعةٍ متكاملة (15 مايو/أيّار 1891). فبالحقيقة، «ما نسمّيه اليوم "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ" لم يولد فجأة في العصر المعاصر، بل يجمع وينظّم تقليدًا طويلًا من التّفكير الكنسيّ في الحياة الاجتماعيّة، الذي يجد مصادره في الكتاب المقدّس، وفي آباء الكنيسة، وفي الدّراسات اللاهوتيّة والقانونيّة في العصور الوسطى والعصر الحديث. استخدم البابا بيوس الثّاني عشر لأوّل مرّة عبارة "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ" سنة 1950، لكن المحتوى الذي تنطوي عليه، بمعناه كمجموعة متكاملة من التّعاليم الاجتماعيّة، بدأ يتبلور مع الرّسالة البابويّة العامّة "الشّؤون الجديدة - Rerum novarum" للبابا لاوُن الثّالث عشر» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 29).

من خلال الرسالة العامّة "أمور-شؤون جديدة" (Rerum Novarum)، استهلّ البابا لاوُن الثالث عشر مجموعة التأمّلات المتعلّقة بالمجتمع والاقتصاد والسياسة والقضايا الاجتماعيّة في ضوء الإنجيل؛ وهو ما نسمّيه اليوم "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ". «وعندما اعترض البعض بأنّ الكنيسة ينبغي ألّا تضيّع طاقاتها في قضايا دنيويّة، بل عليها أن تهتمّ بنقل رسالة الحياة الأبديّة، أجاب [البابا لاوُن الثالث عشر] بواقعيّة وحكمة بأنّ إعلان الإنجيل لا يمكن أن ينسى حياة الشّعوب العمليّة [...] اليوم، يُعدّ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ تراثًا من الحكمة، نجد فيه مبادئ للتفكير، ومعايير للتمييز والحكم، وتوجيهات واقعيّة للعمل. يستند هذا التّعليم إلى الكتاب المقدّس والتّقليد، ويساعدنا، في حوار مع العلوم، على قراءة تحدّيات الحاضر بوضوح، وعلى تحديد مسارات مناسبة لنعيش شهادةً مسيحيّةً صافية، بفرحٍ وفي خدمة العالم. ليس هذا التّعليم مجموعة ثابتة من المفاهيم، بل هو مجموعة حيّة من الحقائق، تحفظ وتفسّر دعوة البشريّة إلى حياة كاملة وعادلة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 3).

وتسطع وثائقُ المجمع الفاتيكانيّ الثّاني (1962-1965) كقفزةٍ محوريّة في سلسلة "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ" المتواصلة. فهي قد تناولتْ بدورها قضايا اجتماعيّة ودوليّة كُبرى، على غرار الزواج والعائلة، والحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، والمجتمع السّياسيّ، والحرب والسّلام. «وكان المجمع الفاتيكانيّ الثّاني نقطة تحوّل في فهم الكنيسة لذاتها في العالم المعاصر. في الدّستور الرّعائي "فرح ورجاء - Gaudium et Spes، قدّم لنا صورة كنيسة تقترب من البشريّة، وتلتزم تجاه العالم، وتكرّس نفسها للتفكير ليس في مخطّطات تجريديّة، بل انطلاقًا من واقعيّة الأوضاع التّاريخيّة [...] يُظهر هذا الأسلوب أنّ الحوار مع العالم ليس خيارًا تكتيكيًّا للكنيسة، بل هو طريقة ملموسة لرسالتها، لأنّ الإنجيل، مثل الخميرة، قادر على تحويل هيكليّات العيش معًا من الدّاخل وفتح مسارات نحو إنسانيّة أعمق» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 34).

وعلى هذا النحو، يوجد ارتباطٌ وَثيقٌ بين استقامة الإيمان بالله الأحد-الواحد-الثالوث، واستقامة العمل والمعاملات الاجتماعيّة. فـ«تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يُعيدنا إلى قلب إيماننا نفسه: سرّ الله الحَيّ، المُعلَن في يسوع المسيح الذي هو شركة بين أقانيم، الآب والابن والرّوح القدس، ومحبّة في علاقة، تمنح نفسها بشكلٍ مُتبادل وتتواصل مع العالم» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 48). و«إن كان سرّ الله-محبّة هو مصدر تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، فإنّنا نتأمّل في وجهه الأكثر واقعيّة في يسوع المسيح، الكلمة الذي صار بشرًا. لمّا صار إنسانًا، دخل ابن الله في تاريخنا وجسدنا، وحمل إليه الحبّ الذي يوحّده بالآب والرّوح القدس [...] وهكذا، يسعى إعلان البشارة والخبرة المسيحيّة، بتوجيه الرّوح القدس، إلى إحداث نتائجَ اجتماعيّة في العالم» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 49).

على صعيدٍ آخر، قد «استمدّت الكنيسة قوّتها من هذا الحوار المثمر بين الإنجيل والمعارف البشريّة، وعمّقت تدريجًا عقيدتها الاجتماعيّة، مطوّرةً بمرور الوقت تراثًا من الحكمة يتمتّع بتناسق لاهوتيّ وأنثروبولوجيّ متجذّر في رؤية الإنسان المسيحيّة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 24). لذا، فإنّ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ «ينشأ من اللقاء بين حقيقة الإنجيل الأبديّة وأسئلة التّاريخ، ويسمح لـعلامات الزّمن بأن تطرح عليه أسئلة، ويتغذّى من مساهمة العلوم والثّقافات والخبرات البشريّة. لذلك، عندما تُشوّه كرامة الإخوة، وعندما لا تستجيب السّياسة لمآسي البشريّة، وعندما ينقلب الاقتصاد ضدّ الإنسان أو يتجاوز العِلم حدود منهجه، يجب على الكنيسة أن تُسمِع صوتها، مع الطّوائف المسيحيّة الأخرى والمؤمنين من الأديان الأخرى، وذلك لا للسيطرة، بل لخدمة الوَحدة والشّركة. وبهذا الفهم، يصير تعليم الكنيسة الاجتماعيّ لاهوتًا للتواصل في التّاريخ، ومكانًا حيث الكلمة، الذي صار بشرًا، يتابع حضوره ويصير حوارًا وذاكرة ونبوءة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 27).

بإيجازٍ، إنّ «تعليم الكنيسة الاجتماعيّ ليس ثمرة مشروع تمّت صياغته على الورق، بل هو نتيجة مسيرة صابرة، قدَّم فيها كلّ حَبْر، مع المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، مساهمة أصيلة في ضوء "الشّؤون الجديدة" في عصره. وقد أظهر كلّ واحد منهم، بمواجهة تحدّيات عصره وقراءة التّغيّرات التّاريخية في ضوء الإنجيل، جوانب مختلفة من تراث واحد: كرامة الإنسان، وقيمة العمل، والغاية المشتركة للخيرات، والتّضامن والتّكافل، والعناية بالخليقة، ومركزيّة السّلام والأخوّة. ونتج عن ذلك تطوّر متناغم، وإن لم يكن دائمًا مباشرًا، اتّسم بتركيزات مختلفة، وتعمّقات تدريجيّة، وأحيانًا بتغييرات في الرّؤية لا تنفصل عمّا سبقها، بل تجعل آثارها تنضج» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 45). ومن ثمّ، فإنّ «تعليم الكنيسة الاجتماعيّ هو واقع حَيّ، في حوار مع التّاريخ والثّقافات والعلوم، وفي الوقت نفسه يحفظ نواة الحقيقة التي لا تغيب. لهذا السّبب يمكن اعتباره شكلًا من أشكال الحكمة القادرة اليوم أيضًا على أن توجّه حياة المؤمنين الشّخصيّة والاجتماعيّة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 46).

[يُتبَع]