الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

ومين نكون.. إن بعنا يومنا.. وماضينا؟
وليه نعيش ان مكانش بكره يراضينا؟!
وازاى ننام من غير ما نحلم ببكره؟!
وبكره ده منين ييجى.. إلا بإيدينا!!
كلمات الشاعر: سيّد حجاب
غناء: علي الحجّار
ألحان: ياسر عبد الرحمن

في المقطع ده كمان بيستمر  السؤال حوالين الهويّة ذي المقطع السابق. والسؤال «ومين نكون؟»سؤال مرعب فعلًا. لأنّ الإنسان ممكن يخسر أشياء كثيرة ويكمل حياته، لكن في لحظة معيّنة قد يكتشف أنّه خسر نفسه. والكارثة إنّ الإنسان لا يبيع نفسه دائمًا في لحظة واحدة ضخمة وواضحة، لكن أحيانًا يبيعها بالتقسيط، ذي ما بنقول "سارقاه السكين" في دوامة الحياة: تنازل صغيّر هنا، خوف صغيّر هناك، صمت في وقت كان لازم الواحد يتكلّم فيه، مجاملة ضدّ ضميره، خيانة لفكرته اللي بتعبر عن موقفه وضميره، أو هروب طويل من الشيء اللي كان يعرف أنّه الحقّ. ومع الوقت، يكتشف أنّه معادش يعرف نفسه.

عشان كده الجملة في شعر سيد حجاب موجعة: «إن بعنا يومنا.. وماضينا»
الإنسان لا يعيش فقط بالحاضر. الإنسان بيعيش بالذاكرة أيضًا. يعيش بالقصص اللي كوّنته وشكلته، وبالألم اللي مرّ بيه، وبالأحلام القديمة، وبالوجوه اللي حبّته وحبّها، وبالمعاني الاي آمن بيها في. ولمّا يبيع الإنسان ماضيه، ما يصبحش شخص عملي أو واقعي، ولكن خلاص بيكون فقد جزء من روحه. عشان كده أخطر شيء ممكن يحصل  لأي مجتمع مش بس الفقر والغُلب ولكن في الحقيقة أخطر شيء هو  أن يفقد ذاكرته! أو حتى يخجل منها، أو يتحوّل إلى شعب يعيش بلا معنى وبلا حلم. وإذا ضاع الحلم: 

«وليه نعيش إن مكانش بكره يراضينا؟!»
وهنا ندخل إلى جوهر الرجاء (فضيلة مسيحية). الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا غد. قد يتنفّس، ياكل، يشوف أكل عيشه، يضحك أحيانًا، لكنّه من الداخل بيكون خلاص دخل في نوع من الموت البطيء إذا فقد الإيمان بأنّ المستقبل ممكن يكون أفضل. وده السبب في إن  الأنظمة الطاغية القاسية دايمًا لا تكتفي بإفقار الناس، ولكنها بتضيف علي ده قتل خيالهم! لأنّ الإنسان اللي خلاص، ما عادش يحلم، يصبح أسهل في السيطرة عيله.

لكن الشاعر بيرفض يحوّل الرجاء إلى أفيون دينيّ، أو انتظار سلبيّ لمعجزة تهبط من السماء: «وبكره ده منين ييجى.. إلا بإيدينا!!»

الجملة هنا شديدة العمق لأنّها بترفض التدين الكسول، الاتكالي، "الألاوي" الليي يطلب من الله أنه يعمل كلّ شيء بدل من الإنسان. ففي الإيمان الحقيقيّ، الله لا يلغي حرّيّة الإنسان ومسؤوليّته، ولكنه بيدعوه أنه يشارك في صنع الحياة نفسها. وعشان كده، بكرة، مستحيل ييجي من نفسه! بكرة هيتولد  من تعب البشر وكدّهم، ومن شجاعتهم، ومن قدرتهم على المقاومة وعدم الاستسلام.

الأبيات دي في أساسها قريبة جدًا من روح الإنجيل نفسه. المسيح ما دعاش الناس إلى انتظار العالم الجديد وهما نايمين،  ولكنه دعاهم عشان يكونوا «نور العالم» و«ملح الأرض». بمعني إنهم يدخلوا التاريخ، مش يهربوا منه. 

 الحلم هنا مش رفاهية رومانسية، لكنه فعل إيمان. الإنسان يحلم لأنّه بيرفض أن يكون الشرّ هو الكلمة الأخيرة، ويعمل لأنّه يؤمن أنّ الله لا يترك العالم للموت والعبث.

 الأبيات دي إنسانية جدًا ومؤمنة جدًا في الوقت نفسه. لأنّها فاهمة إنّ الإنسان بلا ذاكرة يفقد نفسه، وبلا رجاء يفقد الحياة، وبلا عمل يفقد الغد نفسه.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ