محرر الأقباط متحدون
يحلل أمين سر دائرة الثقافة والتعليم الرسالة العامة للبابا لاوُن الرابع عشر؛ وهي وثيقة تقوم على الأسس المتينة للعقيدة الاجتماعية للكنيسة، وتسلط الضوء على أضواء وظلال الذكاء الاصطناعي. وفي حديثه لوسائل الإعلام الفاتيكانية، يشدد رئيس الأساقفة على المخاطر الأنثروبولوجية التي تنطوي عليها الثورة التكنولوجية، مؤكداً: "إن الكنيسة لا تتحدث بسوء عن الذكاء الاصطناعي، بل تتأمل في الإمكانات التي يمكن أن يقدمها في سبيل الخير".

"رسالة عامة اجتماعية"، هي الأولى للبابا لاوُن الرابع عشر، والتي تقدم مفتاحاً لقراءة حبريته. هذا هو جوهر فكر رئيس الأساقفة كارلو ماريا بولفاني، أمين سر دائرة الثقافة والتعليم، ومؤلف العديد من المقالات في مجال التبسيط العلمي، خلال حديثه عن رسالة "الإنسانية الرائعة"، التي قُدِّمت في ٢٥ أيار/مايو، بحضور الحبر الأعظم في قاعة السينودس. وفي مقابلته مع وسائل الإعلام الفاتيكانية، يعيد قراءة الوثيقة الحبرية بوصفها صوت الكنيسة في فجر ثورة صناعية جديدة، بعد ١٣٥ عاماً من صدور رسالة "الشؤون الحديثة" للبابا لاوُن الثالث عشر، ويتوقف بشكل خاص عند التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على البشرية جمعاء.

في جوابه على السؤال حول إن كان يشاطر البابا قراءته لهذه الرسالة إذ يشير البابا بريفوست باستمرار إلى العقيدة الاجتماعية للكنيسة، بوصفها أساساً متيناً للانطلاق، وفي الوقت عينه، كمادة أثبتت عبر التاريخ قدرة استثنائية على التكيف مع المتغيرات قال أمين سر دائرة الثقافة والتعليم نعم، ولدينا الدليل على ذلك في الفصلين الأولين، حيث يأخذ البابا كل الوقت اللازم ليشرح ما هي العقيدة الاجتماعية للكنيسة. فهو لا يعرض أساسها اللاهوتي فحسب، بل يطرح أيضاً مبادئها الكبرى، ونقاطها المحورية التي يمكن اعتبارها بمثابة صخور راسخة: الخير العام، والوجهة العالمية للخيور، ومبدأ التعاضد، والتضامن، ومبدأ العدالة الاجتماعية'> العدالة الاجتماعية. إذن، الأسس المتينة قائمة والرسالة العامة تقدم لها تحديثاً وتطويراً. إن الكنيسة تملك مبادئ طورتها خلال الأزمات الكبرى، مثل أزمة الثورة الصناعية الأولى، وهي ترى اليوم أزمة أخرى تلوح في الأفق؛ لذا فهي تستحضر كل تقليدها من أجل الابتكار، والابتكار مع البقاء ثابتة في أسسها الخاصة.

تابع المطران بولفاني مجيبًا على السؤال حول كيف يمكن تغيير نموذج واقع أنَّ تطوير الذكاء الاصطناعي اليوم يقع في أيدي قلة قليلة فقط فيما يؤكد البابا أن هو شأن يخص الجميع وقال هذه مسألة غاية في الأهمية، وأرى أن البابا يواجهها بوضوح شديد. فلنتذكر أن التطورات التكنولوجية، لا سيما بعد الثورة الصناعية الأولى، كانت دائماً في أيدي قلة من الناس. والمشكلة—وقد تجلى ذلك بوضوح مع الثورة الصناعية—تكمن في نقلها من أيدي قلة نخبويّة لتصبح في خدمة الجميع، ومن أجل خير الجميع. وفي حالة الذكاء الاصطناعي، نواجه مشكلة إضافية؛ فبشكل أو بآخر، سيشعر الجميع بآثاره. وبالتالي، فإن كونه تحت سيطرة قلة فقط ينطوي على مخاطر حقيقية تفوق بكثير تلك المرتبطة بالثورة الصناعية الأولى. في ذلك الوقت، كانت المخاطر ذات طابع اقتصادي بالدرجة الأولى؛ أما اليوم، فإن الأسئلة المطروحة هي أيضاً ذات طابع أنثروبولوجي.

أضاف أمين سر دائرة الثقافة والتعليم مجيبًا على السؤال حول إن كان تكييف الضمائر يصبح أمراً أساسياً من هذا المنطلق إذ يشدد لاوُن الرابع عشر على ضرورة وجود محو أمية رقمية، وهذا يخص قطاع التعليم المدعو لتنشئة أجيال المستقبل وقال يتحدث الأب الأقدس عن هذا الأمر في الفصل الرابع، حيث يصر على ضرورة "رعاية" العلاقات، ويضع ثلاثة نقاط كبرى: العمل، والحرية، والحقيقة. وتخص مسألة التعليم الحقيقة بالدرجة الأولى ثم الحرية. والمطلوب هو تنمية الفكر النقدي لدى الأجيال الشابة—التي تعيش في عصر الذكاء الاصطناعي بدون أن تدرك ذلك—في استخدام هذه الأداة الجديدة. إن التعليم هو أحد أهم المجالات لتشكيل هذه القدرة لدى الأجيال الناشئة التي تحتاج إلى عقل قادر على تمييز الآثار الإيجابية والسلبية للذكاء الاصطناعي.

تابع المطران بولفاني مجيبًا على السؤال حول ما هي طبيعة الإسهام الذي يمكن للكنيسة أن تقدّمه في هذا النقاش وقال يقدم الفصل الثالث من رسالة "الإنسانية الرائعة" إحدى الإجابات؛ فالكنيسة لا تبدأ أبدًا بالحديث بسوء عن الذكاء الاصطناعي، بل على العكس، تسلط الضوء على كل الإمكانات التي يمكن أن يقدمها في سبيل الخير. ومن ناحية أخرى، فإنها ترى أيضاً كل المخاطر. وهنا تؤدي الكنيسة الكاثوليكية دوراً هاماً للغاية: إذ يمكنها، على كافة المستويات—من أكبر المحافل الدولية وحتى أصغر رعية، وأينما شاركت في الحياة الاجتماعية—أن تقدم نقاط مرجعية حتى لا تنطوي هذه الأداة، الإيجابية للبشرية في حد ذاتها، على أي مخاطر. والكلمة المفتاحية هنا هي نزع السلاح الثقافي الذي تقترحه الكنيسة. وجميعنا نذكر أن البابا تحدث عن "سلام مجرد من السلاح ويجرِّد من السلاح" منذ بداية حبريته، عندما قدم نفسه للعالم. وفي "الإنسانية الرائعة" يعيد إحياء هذا المبدأ: فإذا كان الذكاء الاصطناعي قوة، وإذا كان لهذه القوة أن تخدم خير البشرية، فيجب إذن تجريدها من السلاح، بمعنى ألا تُستخدم لأغراض خطيرة.

أضاف أمين سر دائرة الثقافة والتعليم مجيبًا على السؤال حول كيف يمكن تفسير تطور الذكاء الاصطناعي على ضوء الإشارة البيبلية التي تتكرّر في الرسالة العامة كخيط ناظم: "هل نريد بناء برج بابل أم أورشليم الجديدة؟" وقال أرى أن هذه الرمزية ملائمة تماماً. فالمشكلة هنا هي كالتالي: الذكاء الاصطناعي ليس بدعة تأتي وتذهب، أو مجرد موضة، بل هو تحول في الحضارة والثقافة. وبرج بابل هو المكان الذي يربح فيه الأقوى، وحيث يفرض الأكثر نفوذاً نفسه؛ وهكذا يراه البابا: فالأسرع، والأقوى، والأكثر أداءً سيتمكن من فرض نفسه، والذكاء الاصطناعي سيتيح له ذلك. ونحن نرى اليوم بالفعل أن هناك دولتين أو ثلاث دول تتقدم بوضوح على بقية دول العالم. أما النموذج الآخر فمختلف تماماً: فهو لا يتعلق بقدرة البعض على فرض أنفسهم على الآخرين، بل بالاهتمام الضروري من الجميع، ولا سيما من قِبل الأكثر قوة، برعاية الأكثر ضعفاً. إنه البديل لـ "حمى الذهب"، حيث يأخذ من يصل أولاً كل شيء. وهذا يعني أن الذين يتمتعون بميزة تكنولوجية—والذين سيغتنون أكثر في الواقع —عليهم واجب التفكير فيمن يواجهون خطر البقاء في الخلف، والذين لا يمكن إقصاؤهم.

تابع المطران بولفاني مجيبًا على السؤال حول إن كان يمكننا الاعتقاد في وجود شكل من أشكال محبّة الإنسانية الرقمية وقال نعم، إن كلمة فيلانثروبيا مستخدمة بكثرة في هذا السياق، لكن البابا يذهب إلى أبعد من ذلك. نحن على عتبة تحول ثقافي هائل، وهو يبرز الخيارين اللذين تقف البشرية أمامهما: إما التطور في ظل نظام يتضمن شكلاً من أشكال الفيلانثروبيا المصطنعة، وهو احتمال يدعم انتصار الأقوى؛ أو اختيار اعتبار الذكاء الاصطناعي فرصة—إذا ما وُظِّف لنشر الخير—لكي تبقى البشرية إنسانية. هذا هو ما يقترحه البابا، وهو يلمِّح أيضاً إلى أن الفرصة سانحة الآن أو أبداً؛ لأنه إذا لم تكن لدى البشرية اليوم القدرة على تحقيق هذه القفزة، فإنها ستكون في خطر.

وختم المطران كارلو ماريا بولفاني، أمين سر دائرة الثقافة والتعليم حديثه لوسائل الإعلام الفاتيكانية مجيبًا على السؤال حول إن كان يمكن أن تبدو رسالة "الإنسانية الرائعة" نتاج ثمرة تفكير بدأ منذ عدة سنوات داخل مختلف مؤسسات الكرسي الرسولي وخلال الحبريات الثلاث الأخيرة وفي الوقت نفسه، أن تكون خطة عمل لحبرية البابا لاوُن الرابع عشر وقال أعتقد أن البابا لاوُن الرابع عشر هو أول بابا يبدأ حبريته برسالة عامة اجتماعية، ولا أظن أن هناك سوابق لذلك. ولمعرفة ما إذا كانت نتاجاً أو نقطة انطلاق، ينبغي فهم نظرة الكنيسة الكاثوليكية إلى العالم الذي ترغب في التفاعل معه. واليوم، تبدو تحديات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. ومنذ عهد البابا بندكتس السادس عشر، ثم مع البابا فرنسيس، الذي تحدث عن هذا الأمر في قمة مجموعة السبع (G7) في حزيران يونيو ٢٠٢٤ في إيطاليا، كانت الكنيسة الكاثوليكية من أولى القوى التي أدركت أهمية هذه الظاهرة. وانطلاقاً من الحبريات الثلاث الأخيرة، قدمت الكنيسة استجابة تزداد وضوحاً: ففي البداية راقبت ما كان يحدث، واليوم انتقلت إلى العمل الفعلي. وأعتقد أن هذه الرسالة العامة الجديدة تمثل عنصراً أكثر نضجاً، ويمكن القول إنها خطة عمل للسنوات القادمة.