بقلم: هاني صبري – المحامي بالنقض
تظل رحلة السيد المسيح والعائلة المقدسة إلى أرض مصر واحدة من أعظم وأقدس الأحداث في التاريخ الإنساني والروحي؛ فهي ليست مجرد واقعة تاريخية عابرة ارتبطت بمرحلة زمنية محددة، بل حدث استثنائي منح مصر مكانة فريدة في الوجدان المسيحي العالمي، ورسّخ خصوصيتها الحضارية والروحية بين أمم الأرض.
 
لقد اختص الله مصر بميزة لم تنلها أمة أخرى سوى الأرض التي وُلد فيها السيد المسيح، إذ صارت مصر الملجأ الآمن للعائلة المقدسة، والأرض التي احتضنت السيد المسيح والسيدة العذراء مريم والقديس يوسف النجار هربًا من بطش الملك هيرودس الذي سعى لقتل الطفل خوفًا على ملكه.
 
ويذكر الإنجيل بحسب إنجيل متى: “قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر، وكن هناك حتى أقول لك، لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه”
(متى 2: 13)
 
وهكذا جاءت العائلة المقدسة إلى مصر تنفيذًا للتدبير الإلهي، لتصبح أرض الكنانة شاهدة على مرحلة مقدسة من حياة السيد المسيح على الأرض.
 
إن مكانة مصر لم تأتِ مصادفة في الإيمان المسيحي، بل ورد ذكرها في النبوات الكتابية بصورة استثنائية تحمل دلالات روحية عميقة.
فقد قال الرب في سفر إشعياء: “مبارك شعبي مصر” (إشعياء 19: 25)
 
كما ورد في سفر هوشع:“ومن مصر دعوت ابني” (هوشع 11: 1)
 
وهذه النصوص تُظهر المكانة الخاصة التي حظيت بها مصر في التاريخ الخلاصي، باعتبارها أرضًا مباركة اختارها الله لتكون موضع حماية وملاذًا للعائلة المقدسة.
 
لم تكن رحلة الهروب إلى مصر مجرد انتقال جغرافي خوفًا من بطش هيرودس، بل حملت أبعادًا لاهوتية وإنسانية عميقة.
 
فالسيد المسيح – بحسب العقيدة المسيحية – هو الكلمة المتجسد، الذي اتحد فيه اللاهوت بالناسوت بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.
ويقول الإنجيل: “كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان”
(يوحنا 1: 3)
 
كما يقول: “ابن الإنسان الذي هو في السماء” (يوحنا 3: 13)
ومن ثم، فإن الطفل الذي حملته السيدة العذراء إلى أرض مصر كان – بحسب الإيمان المسيحي – هو ذاته ضابط الكل، الذي يدير الكون ويحفظ الخليقة، رغم ظهوره في صورة إنسانية متواضعة.
 
وهذا المعنى يمنح رحلة العائلة المقدسة إلى مصر بُعدًا روحيًا فريدًا؛ إذ صارت مصر جزءًا من التاريخ المقدس في الوعي المسيحي العالمي.
لقد تنبأت أسفار العهد القديم بمجيء السيد المسيح قبل ميلاده بقرون طويلة، وبلغ عدد النبوات المتعلقة به أكثر من مائتي نبوة، تحققت بدقة مذهلة بحسب الإيمان المسيحي.
 
فقد تنبأ النبي إشعياء بميلاده من عذراء: “ها العذراء تحبل وتلد ابنًا ويدعى اسمه عمانوئيل” (إشعياء 7: 14)
 
كما تنبأ النبي ميخا بميلاده في بيت لحم: “أما أنت يا بيت لحم… فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطًا على إسرائيل” (ميخا 5: 2)
وقد تحققت هذه النبوات كما ورد في الإنجيل بحسب إنجيل متى.
 
وفي هذا السياق، جاءت رحلة العائلة المقدسة إلى مصر أيضًا تحقيقًا للنبوة القائلة: “ومن مصر دعوت ابني”.
 
إن رحلة العائلة المقدسة داخل مصر لم تكن محدودة بمكان واحد، بل امتدت عبر مناطق متعددة من شمال البلاد إلى جنوبها، تاركة وراءها تراثًا روحيًا وإنسانيًا فريدًا.
 
وقد تحولت هذه المواقع إلى: كنائس، وأديرة، ومزارات دينية، وشواهد تاريخية حية على تلك الرحلة المباركة.
 
وفي السنوات الأخيرة، أولت الدولة المصرية اهتمامًا متزايدًا بمشروع “مسار العائلة المقدسة”، باعتباره مشروعًا حضاريًا وسياحيًا وروحيًا ذا قيمة عالمية.
 
ويمثل هذا المسار أحد أهم روافد السياحة الدينية في العالم، بما يعزز:
مكانة مصر الروحية، ويدعم الاقتصاد الوطني، ويرسخ صورة مصر كملتقى للحضارات والأديان.
 
وفي اعتراف دولي بأهمية هذا التراث، أدرجت اليونسكو عام 2022 الاحتفالات الشعبية المرتبطة برحلة العائلة المقدسة إلى مصر ضمن قائمتها للتراث الثقافي غير المادي.
 
لماذا يجب أن يكون الأول من يونيو عيدًا قوميًا؟
إن اعتبار الأول من يونيو – وهو التاريخ التقليدي لدخول العائلة المقدسة إلى مصر – عيدًا قوميًا رسميًا، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مطلبًا دينيًا لطائفة بعينها، بل باعتباره تكريمًا لحدث تاريخي وروحي وإنساني ارتبط باسم مصر في الوعي العالمي.
 
فهذا الحدث: يخص تاريخ مصر الحضاري، ويعكس قيم التسامح والاحتواء، ويجسد مكانة مصر كأرض للأمن والسلام، ويؤكد وحدة النسيج الوطني بين أبناء الوطن الواحد.
 
كما أن إقرار هذا اليوم عيدًا قوميًّا سيبعث برسالة حضارية للعالم مفادها أن مصر دولة تعتز بتاريخها الديني والإنساني المتنوع، وتحترم جميع مكونات هويتها الوطنية.
 
وسيكون لذلك أثر إيجابي كبير على:
تعزيز قيم المواطنة، وترسيخ ثقافة المحبة والتعايش، ودعم السياحة الدينية، وإبراز القوة الناعمة المصرية عالميًا. وستظل مصر نموذجًا فريدًا للتنوع والتعايش.
 
ولذلك فإن تخليد ذكرى دخول السيد المسيح أرض مصر باعتباره عيدًا قوميًّا رسميًّا، لا يمثل مجرد احتفال ديني، بل اعترافًا بقيمة حدث استثنائي ارتبط بتاريخ الوطن وهويته الحضارية.
 
ومن هنا، فإن الأول من يونيو يستحق أن يُسجل في الوجدان الوطني المصري باعتباره يومًا يعبر عن رسالة مصر التاريخية: أرض السلام، وموطن الحضارة، وملتقى السماء بالأرض.