الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
كلمات: سيد حجاب. ألحان: ياسر عبد الرحمن. غناء: على الحجار وحنان ماضي
«باحلم.. وافتح عينيا
على جنة للإنسانية
والناس.. سوا بيعيشوها
بطيبة.. وبصفو نية
***
أحلامى تصلب لى ضهرى
ويروق ويصفى لى دهرى
ويلالى زهرى.. وجواهرى
لكل ناسى.. وليّا
***
يا دنيا مهما تُغرَّى
غيرى.. مسيرك تُمرَّى
وبعد مُرّى.. تُسرَّى
نفسى العفيفة الغنية
***
لا المال ينور طريقى
ولا البنون بلُّوا ريقى
عملى ف حياتى رفيقى
فى وقفتى الآخرانية».
تحمل هذه القصيدة العاميّة المصريّة رؤيةً إسكاتولوجيّة غنيّة ومعقّدة، لأنّها تضع الإنسان داخل توتّر دائم بين العالم كما هو، والعالم كما ينبغي أن يكون. ومن هنا، فإنّ البُعد الإسكاتولوجيّ في النصّ لا يظهر من خلال الحديث المباشر عن السماء أو الحياة بعد الموت، علي غير العادة فيما هو متّبع في الكثير من الخطاب الشعبيّ والدينيّ. يظهر الحديث الإسكاتولوجيّ هنا من خلال حضور الرجاء بوصفه قوّة نقديّة تجاه الواقع، ورفضًا ضمنيًّا لقبول التاريخ في شكله الحاليّ بوصفه قدرًا نهائيًّا مغلقًا. ولهذا تقترب القصيدة من البنية النبويّة في سفر أشعياء، حيث الرجاء يبقي المستقبل مفتوحًا داخل التاريخ نفسه وليس خارجه في جنّة مُنتَظرَة.
حين يقول الشاعر: «باحلم.. وافتح عينيا على جنة للإنسانية» فإنّه يعبّر عن حلم غير فرديّ، ويبتعد عن الخلاص الروحانيّ المحض الذي ينفصل عن العالم. يقرأ الشاعر البُعد الإسكاتولوجيّ داخل رؤية أنثروبولوجيّة وأخلاقيّة لعالمٍ جديد هنا والآن. فالقصيدة تتخيّل إمكانيّة قيام إنسانيّة أخرى داخل التاريخ نفسه؛ إنسانيّة تقوم على الصلاح، و«صفو النيّة» بدل القسوة والهيمنة والمنفعة. وهذه النقطة جوهريّة لفهم البُعد الإسكاتولوجيّ المسيحيّ في النصّ، لأنّ الإسكاتولوجيا الكتابيّة، خصوصًا في سفر أشعياء، تغوص في التاريخ، وتعمل داخله بوصفها وعدًا بتحويله وتجديده.
ولهذا تأتي عبارة أغنية المقدّمة: «وبكرة ييجي منين إلا بإيدينا» بوصفها المفتاح التأويليّ للقصيدة كلّها. فالمستقبل هنا لا يدخل ضمن الغيبيات، ولا يهبط على الإنسان من الخارج. المستقبل أفقٌ يصنعه الفعل البشريّ نفسه. وهذا يضع النصّ داخل ما يمكن تسميته "إسكاتولوجيا الفعل"، أي ذلك التصوّر لملكوت الله أو الجنّة هي رجاء لا يمكن أن ينحصر في انتظار النهاية بصورة سلبية ساكنة صامتة. هنا يتحوّل الانتظار من السكون إلى انتظارٍ فاعل يشارك عمليًّا في صنع العالم الآتي، وفي استجلابه ليبدأ هنا على الأرض، والآن. يعبر النبيّ أشعياء عن هذا التصور الإسكاتولوجي بإعادة خلق: «هأَنَذَا خَالِقٌ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً» (أشعياء 65: 17). إنّ "الأرض الجديدة" عند أشعياء إذ تحترم التاريخ تسعى إلى تحوّله الداخليّ. ولذلك، فإنّ القصيدة تبحث عن خلاص داخل العالم، عن طريق تجديد العالم نفسه. وهذا ما يجعلها قريبة أيضًا من الحلم النبويّ بالخليقة المُصالَحة: «فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ... لا يَسُوءُونَ وَلا يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي» (أشعياء 11: 6-9).
تبني القصيدة، مثل النصّ النبويّ، صورةً مضادّة للعالم القائم؛ صورة تُواجه منطق العنف والافتراس بمنطق المصالحة والرحمة. ومن هنا يصبح الحلم نفسه فعل مقاومة، لأنّه يرفض التسليم بأنّ القسوة والظلم هما الشكل الطبيعيّ والدائم للتاريخ. العالم كما هو، ليس هو الصورة النهائيّة، ففي رحم هذا العالم، يكمن عالمٌ أفضل.
ويظهر البُعد النقديّ في القصيدة بصورة أوضح في قول الشاعر: «يا دنيا مهما تُغرَّى غيرى.. مسيرك تُمرَّى»
يتجاوز النصّ هنا الزهد الأخلاقيّ التقليديّ، ليصل إلى نقدٍ وجوديّ للعالم الحديث القائم على الإغراء والاستهلاك والمكانة الاجتماعيّة. إنّه وعيٌ بأنّ العالم، مهما بدا ممتلئًا بالقوّة أو الثروة أو اللذّة، يبقى عاجزًا عن منح الإنسان الامتلاء الحقيقيّ. ولهذا، فإنّ القصيدة تلتقي مع البنية النبويّة المشتركة بين التراثَين المسيحيّ والإسلاميّ، حيث تُنتقد عبادة المال وتحويله إلى مركز للمعنى الإنسانيّ. وهذا ما يظهر بوضوح في الآية القرآنيّة: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (سورة الكهف 46).
فالآية، مثل القصيدة، ترفض تحويل المال أو الأبناء إلى احتسابهما القيمة النهائيّة للوجود الإنسانيّ. وكما يشرح البغوي في تفسيره للسورة، فإنّ «الباقيات الصالحات» تشير إلى ما يبقى من فعل الإنسان الأخلاقيّ والروحيّ، لا إلى ما يملكه أو يراكمه. وهذا المعنى نفسه يعود بقوّة في المقطع الأخير:
«لا المال ينور طريقى... ولا البنون بلُّوا ريقى... عملى ف حياتى رفيقى... فى وقفتى الآخرانية»
تبلغ القصيدة ذروتها الإسكاتولوجيّة، حين تحوِّل السؤال من سؤال عن العالم إلى سؤال عن معنى الإنسان نفسه. ما الذي يبقى من الإنسان في «الوقفة الآخرانية»؟ ليس الثروة، ولا الامتداد العائليّ، ولا المكانة الاجتماعيّة، بل العمل؛ أي ما صنعه الإنسان داخل التاريخ من عدالة ورحمة وخير. ولذلك، فإنّ «العمل» في القصيدة يُفهم بوصفه ممارسة أخلاقيّة تترك أثرًا يتجاوز الزمن العابر ويشترك في تجديد العالم.
إنّ القصيدة لا تفصل بين الرجاء والعمل، ولا بين الخلاص والتاريخ، فترى أنّ المستقبل يبدأ منذ اللحظة التي يشارك فيها الإنسان في مقاومة القسوة وصنع عالمٍ أكثر إنسانيّة. ولهذا، فإنّها تعبّر عن إسكاتولوجيا ديناميّة، يتحوّل فيها الملكوت من وعدٍ مؤجَّل إلى بذرة حيّة داخل التاريخ، ومن انتظارٍ سلبيّ إلى فعلٍ أخلاقيّ وإنسانيّ مستمرّ.
في النهاية، يجب أن يُختم هذا التصوّر بما يسمّيه اللاهوت المسيحيّ «الاحتياط الإسكاتولوجيّ». فالمسيحيّة، مع كلّ هذا الانخراط في التاريخ والعمل من أجل تغييره، تحتفظ دائمًا بمسافة نقديّة تجاه كلّ مشروع بشريّ. فهي تعرف أنّ أيّ نظام سياسيّ أو اجتماعيّ أو اقتصاديّ، مهما بدا عادلًا أو نبيلًا، يبقى ناقصًا وقابلًا للسقوط، بل وقابلًا أيضًا لأن يتحوّل إلى أداة قمع جديدة حين يدّعي النظام امتلاك الحقيقة الكاملة أو تحقيق الخلاص النهائيّ على الأرض. ولهذا، فإنّ الرجاء المسيحيّ لا يسمح بتحويل أيّ إنجاز تاريخيّ إلى «ملكوت مكتمل»، لأنّ الملكوت يظلّ دائمًا أكبر من التاريخ نفسه، وأوسع من كلّ محاولة بشريّة لاحتوائه.
ومن هنا، فإنّ القصيدة، مع احتفائها بالحلم والعمل والرجاء، لا يجب أن تقود إلى وهم الفردوس الأرضيّ الكامل، بل دورها أن تُبقي المستقبل مفتوحًا، والإنسان في حالة سعي دائم نحو عدالة أعمق، ومصالحة أوسع، وإنسانيّة أكثر رحمة. ولذلك، فإنّ الرجاء الذي يعبّر عنه النصّ لا يتحوّل إلى تفاؤل ساذج، بل يبقى رجاءً نقديًّا؛ رجاءً يقاوم اليأس من جهة، ويرفض تأليه الواقع أو ادّعاء اكتماله من جهة أخرى. فالملكوت، في النهاية، ليس مشروعًا سياسيًّا مُحقّقًا، لكنّه أفقٌ أخلاقيّ وروحيّ يظلّ يستدعي الإنسان إلى مزيد من العمل والرحمة والعدل، من دون أن يسمح له أبدًا بالاعتقاد أنّ التاريخ قد اكتمل أو أنّ "الجنّة" قد تحقّقت بصورة نهائيّة على الأرض.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





