د. ماجد عزت إسرائيل 

                  "إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضًا معه"(2 تيموثاوس 2: 11)

في 26 مايو 2026م، حضر نيافة الأنبا دميان، مطران شمال ألمانيا ورئيس دير السيدة العذراء والقديس موريس بهوكستر، وبرفقته نيافة الأنبا ديسقورس، أسقف جنوب ألمانيا ورئيس دير القديس الأنبا أنطونيوس بكريفلباخ، صلاة جناز الابنة المباركة كارين وليد جرجس. كما حضر عدد كبير من الآباء الكهنة والشمامسة والخدام والخادمات، ولفيف من الشعب القبطي في بوخوم والمدن المجاورة، إلى جانب وفد من الشرطة الألمانية. وقد نُقلت صلاة الجناز على الهواء مباشرة عبر عدد من المواقع والصفحات الإلكترونية.

وفي كلمته، قدّم نيافة الأنبا دميان تأملًا روحيًا عميقًا استلهمه من جذور الراحلة في مدينة الأقصر، فربط بين القديس الأنبا باخوميوس الكبير، أو أب الشركة (292–9 مايو 348م)، مؤسس دير الشايب بالأقصر، وبين القديس موريس قائد الكتيبة الطيبية وشهادته في أوروبا. وأشار نيافته إلى أن دير الشايب بالأقصر ارتبط منذ القدم باسم الأنبا باخوميوس، وقد أطلق عليه الشعب هذا الاسم بسبب الظهورات المتكررة للقديس في هيئة شيخ أبيض اللحية يمد يد العون والإغاثة لطالبي شفاعته. ومن الجدير بالذكر أن الابنة المتنيحة كارين كانت من المترددات على هذا الدير المبارك، القريب من مسقط رأسها.
   
وانتقل نيافته بعد ذلك إلى الحديث عن القديس موريس وكرازة الكتيبة الطيبية في أوروبا، رابطًا بين الأقصر بوصفها أرض الجذور، ودير السيدة العذراء والقديس موريس بوصفه موضع شهادة حية للإيمان في الغرب. وأكد أن جناز كارين لم يكن مجرد اجتماع للتعزية، بل صار أيضًا شهادة بالمسيح، وفرصة تعرّف من خلالها كثيرون إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ورسالتها الروحية.
   
 ومن هذا المنطلق، لم يعد مشهد الوداع محصورًا في دائرة الحزن الإنساني وحده، بل اتسع ليحمل معنى أعمق: أن حياة المؤمن، وإن انتهت على الأرض، فإنها في المسيح لا تنطفئ، بل تعبر إلى الرجاء. وهكذا، في ضوء القيامة، صار الفراق نفسه مناسبة لتجديد الإيمان، وللتأكيد أن الذين يحيون في الرب لا يغيبون عنه.

على أية حال، نجتمع اليوم بقلوب يملؤها الحزن الإنساني على فراق الابنة المباركة كارين وليد جرجس، ولكن أيضًا برجاء ثابت في قيامة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي حوّل الموت من نهاية مظلمة إلى باب للعبور إلى الحياة الأبدية. ففي وسط دموع الوداع، يظل عزاؤنا في وعد الله الصادق، لأن الذي عاش في المسيح لا ينتهي بالموت، بل ينتقل إلى الرجاء.

  وُلدت كارين في مدينة الأقصر، مهد الحضارة المصرية، في 6 أكتوبر 2003م. وجاءت إلى ألمانيا مع أسرتها في أواخر عام 2011م، حيث بدأت دراستها من الصف الثاني الابتدائي، واستمرت في مسيرتها التعليمية حتى حصلت على شهادة الثانوية العامة سنة 2022م، ثم التحقت بالعمل في الشرطة بألمانيا إلى أن انتقلت إلى الأمجاد السماوية في 12 مايو 2026م.

 وخلال حياتها عُرفت بالتفوق في رياضة السباحة، بل عملت مدربة سباحة وهي في سن مبكرة، وهو ما يعكس شخصية جادة ومنضبطة ومتميزة في ما أُوكل إليها. أما في حياتها الكنسية، فكانت خادمة بكنيسة التنا في مدارس الأحد، وقد أحبها الأطفال وتعلقوا بها، لما اتسمت به من طيبة وأدب وروح خدمة صادقة. وهذه السمات لم تكن مجرد صفات اجتماعية عابرة، بل كانت تعبيرًا عن حياة حملت في داخلها محبة حقيقية وهدوءًا ونقاءً، وهي الصفات التي تركت أثرًا في كل من عرفها.

 وكانت أيضًا محبة لزيارة المعالم الأثرية في مصر، ومرتبطة بجذورها في الأقصر، تلك المدينة العريقة التي عُرفت قديمًا باسم طيبة، ولقبت بـ مدينة المائة باب ومدينة الشمس، وكانت إحدى عواصم مصر في العصر الفرعوني. وهكذا اجتمع في شخصيتها الارتباط بالجذور، والجدية في الحياة، وروح الخدمة، والمحبة الهادئة التي تركت بصمتها في القلوب.

وإذ نتأمل هذه السيرة، نتذكر قول الكتاب:"أنتم الذين لا تعرفون أمر الغد! لأنه ما هي حياتكم؟ إنها بخار يظهر قليلًا ثم يضمحل"(يعقوب 4: 14). فهذه الآية لا تُقال لكي تُدخل اليأس إلى القلب، بل لكي توقظ فينا الحكمة الروحية. فحياة الإنسان، مهما بدت طويلة أو قصيرة، تبقى في النهاية بخارًا يظهر قليلًا ثم يضمحل. ولذلك لا يُقاس العمر بعدد السنين فقط، بل بما يتركه الإنسان من محبة، وخدمة، وسيرة طيبة، وذكرى مباركة. وهناك من يعيشون سنوات طويلة دون أثر، وآخرون، رغم قِصر العمر، يتركون في القلوب حضورًا لا يُنسى.

 ومن هنا، فإن هذا الموقف يدعونا جميعًا إلى الاستعداد، وإلى مراجعة حياتنا، لأننا لا نعرف أمر الغد. لا أحد يملك غده، ولا أحد يعرف متى تُطلب نفسه. ولكن ما يطمئننا هو أن الحياة في المسيح لا تضيع، وأن من يموت مع المسيح، يحيا أيضًا معه. لذلك تقول الكنيسة في رجاء:
"إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضًا معه."

إننا اليوم، ونحن نعيش في أفراح القيامة المجيدة، لا ننظر إلى الموت كنهاية، بل كعبور على رجاء القيامة. هذا هو إيمان الكنيسة، وهذه هي تعزيتها. فالمسيح القائم من بين الأموات هو نفسه الذي يهب أولاده رجاء الحياة التي لا تزول. ومن ثم، فإن تعزيتنا ليست فقط في الكلمات، بل في الإيمان بأن الرب الذي غلب الموت، قادر أن ينيح نفس راقدتنا في فردوس النعيم، وأن يمنح أهلها وكل محبيها سلامًا وعزاءً من عنده.

فلنصلِّ إذًا من أجل نفس كارين وليد جرجس، لكي ينيحها الرب في موضع نور وراحة، في مساكن الأبرار والقديسين. ولنصلِّ أيضًا من أجل أسرتها ومحبيها، لكي يمنحهم الله تعزية السماء، وقوة الاحتمال، وسلام القلب.

الراحة والنياح لنفسها الطاهرة، والتعزية لكل أسرتها وأحبائها، بنعمة ربنا يسوع المسيح، وله المجد إلى الأبد. آمين.