شارل فؤاد المصري يكتب: الحارس الذي يقتات علي وجود الذئب 
منذ فترة طويلة مشغول في التزام سينتهي في الأسبوع الأول من يونيو وابتعدت تماما عن التعليق علي الملف الايراني والحرب الدائرة هناك .

ولكنني متابع جيد لكل التطورات . ولكنني مضطر لكتابة هذا التحليل بسبب الاسئلة التي تتكرر عبر رسائل القراء  وفي اللقاءات بين الأصدقاء وهي  لماذا تبقي واشنطن على أنياب إيران حتى الآن ؟و ​ايضاعلى مدى عقود تطرح في الأوساط السياسية العربية تساؤلات جوهرية ومكررة: لماذا لا تنهي الولايات المتحدة بالقوة العسكرية الغاشمة عبر ربما ضربات نووية تكتيكية وتقضي علي التهديد الإيراني في المنطقة؟ أو حتي ضربات تقليدية وهي تستطيع ؟

 ولماذا تكتفي واشنطن بسياسة العقوبات واحتواء النظام في طهران بدلا من إسقاطه؟ ..رغم كل الخطوط الحمراء التى يتجاوزها؟

​الجواب لا يكمن في عجز أميركا العسكرى بل في فلسفة البراجماتية" المصلحة " السياسية فإيران القوية عسكرياوالتي تهدد جيرانها تمثل "حاجة استراتيجية" للسياسة الخارجية الأميركية لإبقاء توازنات القوى تحت السيطرة واستخدامها كأداة ابتزاز مستمر لدول الخليج والعرب.

​ فطهران كأداة للابتزاز الاقتصادى في​السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لا تقوم على المشاعر بل على لغة المصالح والأرقام.

 وجود إيران كقوة عسكرية إقليمية "مخيفة" هو المحرك الأساسي لأكبر سوق مبيعات أسلحة في العالم.

​عقود التسليح المليارية.. و الخوف المستمر من التمدد الإيرانى يدفع دول الخليج العربى إلى توجيه ميزانيات ضخمة لشراء أحدث المنظومات الدفاعية والطائرات الأميركية لحماية أمنها.

ف​الحماية مقابل الولاء الاقتصادي تلعبه واشنطن وتؤكد علي دور "الحامي الوحيد" وهو الدور الذي يمنحها نفوذا هائلا للتحكم في مسارات الطاقة وضمان تدفق النفط بأسعار تناسب الاقتصاد الغربي واستمرار تدفق الاستثمارات الخليجية في الأسواق الأميركية.

​ان تدمير إيران عسكريا يعني غياب "الخطر الداهم"..وغياب الخطر يعني تراجع الحاجة التلقائية للقواعد والأسلحة الأميركية فى المنطقة وهو ما يؤكد نظرية "توازن الرعب" التى
​تعتمده الاستراتيجية الأميركية تاريخيا وهو منع أي قوة إقليمية في الشرق الأوسط من تحقيق سيادة مطلقة.

​لو تم تدمير إيران ستتحول دول الخليج مدعومة بثرواتها الهائلة إلى قطب مستقر وقوي قد لا يحتاج إلى الإملاءات الأميركية بل وقد يذهب بعيدا في بناء تحالفات مستقلة مع الصين وروسيا.

​لذلك تفضل واشنطن سياسة "ميزان الرعب" وإبقاء طهران قوية عسكريا بما يكفي لاشغال العرب رغم أنها تستطيع محوها من الجغرافيا وامريكا تريد ايضا ضعيفة اقتصاديا بما يمنعها من السيطرة الكاملة. 

إيران هنا هى "العسكري" أو "الشرطي المرعب" الذي يضمن بقاء الجميع في حالة استنفار وحاجة دائمة للقوى العظمى.​و غض الطرف الأميركي له شواهد ودلائل و​تاريخ العلاقات الأميركية-الإيرانية مليء باللحظات التى كان يمكن لواشنطن فيها إنهاء النظام الإيراني.. لكنها اختارت التهدئة وتوظيف الأزمات منذ
​الاتفاق النووي عام 2015 الذي أفرج  فيه عن مليارات الدولارات المجمدة لطهران والتي تم تغذية  المليشيات الإقليمية بها ووجهت للتوسع في العواصم العربية بدلا من كبحها.

ورغم تجاوز ايران​الخطوط الحمراء حيث تعرضت منشآت نفطية وسفن شحن في الخليج لضربات متكررة وكان الرد الأميركي دائما "دبلوماسيا" أو عبر ضربات موضعية محدودة لا تؤثر على هيكل النظام أو قوته الأساسية.

ولنا في ​غزو العراق عام 2003 عبرةحيث أسقطت واشنطن نظام صدام حسين الذي كان يمثل البوابة الشرقية وجدار الصد الأساسي ضد طهران وسلمت العراق على طبق من ذهب للنفوذ السياسي والعسكر الإيرانى.

من الاخر :​الستار لم يسقط بعد
​الولايات المتحدة لن تدمر إيران لأن النظام الإيرانى بتركيبته الحالية يخدم من حيث يعلم أو لا يعلم المصالح الأميركية بعيدة المدى.

 طهران تقدم لواشنطن الذريعة المثالية للتواجد العسكري وابتزاز الثروات العربية وإبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم وصراعات طائفية وسياسية لا تنتهي.
​إن الوعي العربي بهذه اللعبة السياسية هو الخطوة الأولى للخروج من عباءة "الابتزاز الأميركي" والاعتماد على بناء قوى ذاتية وتحالفات عربية مستقلة قادرة على حماية الأمن القومي العربي دون الحاجة لـ "حارس" يقتات على وجود الذئب.

كاتب وصحفي وباحث في العلوم السياسية