محمد نبيل المصري عضو المكتب التنفيذي لحركة علمانيون
العلمانية ليست إلحادا كما يروج البعض، بل هي نظام لإدارة الدولة يقوم على الفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، بحيث لا تحتكر جماعة دينية الحكم ولا يتم فرض تفسير ديني واحد على جميع المواطنين. العلمانية لا تمنع التدين، ولا تحارب الأديان، وإنما تضمن أن يبقى الدين مجالا حرا يختاره الإنسان بإرادته، بعيدا عن الإكراه أو التمييز.

في المجتمعات العلمانية يستطيع المسلم والمسيحي واليهودي واللاديني أن يعيشوا تحت قانون واحد يضمن حقوق الجميع بالتساوي. الدولة لا تسأل المواطن عن دينه لكي تمنحه حقا أو تمنعه من حق، بل تتعامل معه باعتباره مواطنا كاملا. ولهذا نجد أن المسلم في دول مثل الدنمارك أو السويد يستطيع بناء المساجد، وممارسة شعائره، والصيام، والاحتفال بأعياده، وتأسيس الجمعيات الإسلامية، تماما كما يفعل المسيحي أو اليهودي. القانون هناك يحمي الجميع دون تفرقة، لأن الدولة لا تعتبر نفسها ممثلة لدين واحد ضد بقية الأديان.

العلمانية أيضا لا تعني إلغاء القيم الدينية أو الأخلاقية من المجتمع. فالدين يظل له دور روحي وأخلاقي وثقافي مهم جدا في حياة الناس، والكثير من المجتمعات العلمانية ما زالت تحترم الأعياد الدينية ودور العبادة والرموز الروحية. الفرق فقط أن الدولة لا تسمح باستخدام الدين كأداة للإقصاء السياسي أو لتقسيم المواطنين إلى درجات مختلفة.

الدولة الدينية غالبا ما تواجه مشكلة كبيرة، وهي أن كل جماعة تدعي أنها تمثل الدين الصحيح، مما يؤدي إلى الصراع والتخوين وربما العنف. أما العلمانية فتوفر مساحة آمنة للجميع، لأن القانون فيها لا يقوم على تفسير ديني متغير، بل على المواطنة والحقوق المتساوية. ولهذا يشعر المتدين بالأمان على دينه، ويشعر غير المتدين أيضا بالأمان على حريته، دون خوف من فرض معتقدات الآخرين عليه.

التاريخ الحديث يوضح أن المجتمعات التي فصلت بين الدين والسلطة السياسية استطاعت أن تقلل من الصراعات الطائفية، وأن تبني مؤسسات أكثر استقرارا وعدالة. فالعلمانية ليست عدوا للدين، بل هي وسيلة لحماية التنوع الديني ومنع استغلال العقيدة في الصراع على الحكم والسلطة.

وفي النهاية، يمكن القول إن العلمانية ليست حربا على الإيمان، وإنما هي ضمانة لحرية الإيمان. هي فكرة تقوم على أن الإنسان يجب أن يكون حرا في علاقته مع ربه، وأن الدولة وظيفتها حماية الجميع لا فرض معتقد معين عليهم. لذلك فالعلمانية لا تلغي الدين، بل تحمي حق كل إنسان في أن يتدين كما يريد، أو ألا يتدين، في إطار من الاحترام والقانون والمساواة.

محمد نبيل المصري عضو المكتب التنفيذي لحركة علمانيون