(Magnifica Humanitas)
(3) التأطيرُ الوثائقيّ (2)


(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
في هذه الحلقة، نستكمل "التأطيرَ الوثائقيّ" للرسالة العامّة الأُولى للبابا لاوُن الرابع عشر «الإنسانيّة الرائعة» (Magnifica Humanitas)، وبالتحديد منذ حَبريّة البابا بولس السادس حتّى حَبريّة البابا فرنسيس. ولنتذكّر أنّ التساؤل المطروح هو التالي: وَفقًا للرسالة العامّة «الإنسانيّة الرائعة»، ما هي الوثائق الكنسيّة الاجتماعيّة؟ وما هو موجزُ مضامينها الأساسيّة؟

6. البابا بُولس السادس ورسالتاه العامّتان: «تَرقّي-تقدُّم الشعوب» (Populorum Progressio) و«السنة الثمانون» (Octogesima adveniens)
في رسالته العامّة «تَرقّي-تقدُّم الشعوب» (26 مارس/آذار 1967)، قد ألمح البابا بُولس السادس (1963-1978) إلى التعليم الاجتماعيّ للباباوات أسلافه (بند 2). فإضافةً إلى "الرسائل الإذاعيّة" للبابا بيوس الثاني عشر إلى العالم، ذَكَرَ البابا بُولس السادس الرسالةَ العامّة «أمور-شؤون جديدة» للبابا لاوُن الثالث عشر، والرسالةَ العامّة «السّنة الأربعون» للبابا بيوس الحادي عشر، والرسالتَيْن العامّتَيْن «أُمّ ومعلِّمة» و«سلام على الأرض» للبابا يوحنّا الثالث والعشرون. وقد أكّد قداستُه أنّ أسلافه من الأحبار لم يتوانوا عن تسليط ضوء الإنجيل على القضايا الاجتماعيّة المعاصرة لهم. وهكذا في حَبريّته هو أيضًا قد «ظهر فهم للسّلام لا ينحصر على غياب الحرب، بل يتجسّد في مسار التّنمية البشريّة المتكاملة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 35). 

انطلاقًا من كون الكنيسة "خبيرةً في الإنسانيّة"، قد لَفَتَ البابا بُولس السادس انتباهَ العالم، في رسالته العامّة «تَرقّي-تقدُّم الشعوب»، إلى عدم المساواة بين الشمال الغنيّ والجنوب الفقير، مُشيرًا إلى عمليّة إنهاء الاستعمار، ومطالبًا بالتنمية الشاملة للإنسان والتنمية المتضامنة للبشريّة. وعلى هذا النحو، «يصف التّنمية بأنّها انتقال من ظروف معيشيّة أقلّ إنسانيّة إلى ظروف أكثر إنسانيّة، ويفهمها على أنّها عمليّة تشمل كلّ إنسان والإنسان بكامله، أي كلّ أبعاد الإنسان وكلّ شعب دون استثناء. على هذا الأساس، يمكن للبابا بولس السّادس أن يؤكّد أنّ التّنمية المفهومة على هذا النّحو هي في الواقع "الاسم الجديد للسّلام"، لأنّها تهدف إلى إزالة جذور الظّلم والصّراع وفتح الآفاق لحياة فيها مزيد من الكرامة للجميع» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 35).

وقد كَتَبَ البابا بُولس السادس الرسالةَ العامّة «السّنة الثمانون» أيضًا، التي أصدرها في الذكرى الثّمانين لصدور الرسالة العامّة «أمور-شؤون جديدة» (14 مايو/أيّار 1971)، متحدّثًا «إلى المجتمع ما بعد الصّناعي، الذي يتّسم بالتّحوّلات الحضريّة، وأشكال الفقر الجديدة، والتّغيّرات في عالم العمل، والتّحوّلات الثّقافيّة السّريعة التي تضع مستقبل الأفراد والمجتمعات موضع تساؤل». وكان اقتناعُ قداسة البابا الراسخ هو التالي: «يظلّ الإنجيل معاصرًا لأنّه يوفّر المعايير اللازمة للتعرّف على ما يُؤنسن أو ما يُجرّد من الإنسانيّة، وما يُحرّر أو ما يقمع، في أوضاع جديدة دائمًا» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 36). 

أمّا «بالنّسبة لتعليم الكنيسة الاجتماعيّ، فإنّ الإرث الأكثر تطلّبًا الذي تركه البابا بولس السّادس هو هذا بالتّحديد: طالما يوجد في العالم شعوب مستبعدة عن تنمية تليق بالإنسان، لن تستطيع الجماعة المسيحيّة أن تكتفي بإعلان السّلام بشكل مجرّد، بل يجب أن تدع الإنجيل يحكم، انطلاقًا ممّن يبقون على الهامش، على تلك الهيكليّات الاقتصاديّة والسّياسيّة التي يمكن أن تصير، كما ذكر البابا يوحنّا بولس الثّاني، "هيكليّات للخطيئة" حقيقيّة، حتّى لا يُعامل أيّ إنسان أو أيّ شعب على أنّه يمكن التّضحيّة به في عمليّات التّنمية» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 36).

وعلينا أن نتذكّر أيضًا أنّ البابا بُولس السادس، من خلال رسالته العامّة الأخيرة «الحياة البشريّة» (25 يوليو/تمّوز 1968)، أكّد على معارضة الكنيسة الشديدة لوسائل منع الحمل الاصطناعيّة في خضمّ "الثورة الجنسيّة". ولهذه الرسالة العامّة أثرٌ بالغ على عِلْم اللاهوت الأدبيّ والفلسفة والسياسة الأخلاقيّة.
7. البابا يوحنّا بولس الثاني ورسائله العامّة: «العمل الإنسانيّ» (Laborem exercens) و«الاهتمام بالشّؤون الاجتماعيّة» (Sollicitudo rei socialis) و«السّنة المئة» (Centesimus annus)

لقد أصدر البابا يوحنّا بولس الثاني وثائقه ذي الطابع الاجتماعيّ في خضمّ "أزمة الأنظمة الأيديولوجيّة الكبرى في القرن العشرين وبداية العولمة الاقتصاديّة". وقد كَتَبَ رسالتَه العامّة «العمل الإنسانيّ» في الذكرى التسعين لصدور الرسالة العامّة «أمور-شؤون جديدة» (14 سبتمبر/أيلول 1981)، مُركّزًا على "كرامة العمل الإنساني". ومن خلالها فَتَحَ قداسته «مسارًا جديدًا للتفكير حول العمل. يُقدَّم الأجر العادل فيها على أنّه اختبار ملموس لعدالة كلّ النّظام الاجتماعيّ والاقتصاديّ، لأنّه يُبَيِّن هل يُعامَل العامل كإنسان أم مجرّد تكلفة إنتاج. فالعمل ليس مجرّد مشكلة يجب إدارتها أو وسيلة للحصول على الأجر، بل هو خير أساسيّ للإنسان، ومبدأ النّشاط الاقتصاديّ، ومفتاح المسألة الاجتماعيّة كلّها. فيه يتعامل الإنسان مع حرّيّته وإبداعه وقدرته على التّعاون، ويساهم في رفع الثّقافة والأخلاق في المجتمع» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 37).

أمّا في رسالته العامّة «الاهتمام بالشّؤون الاجتماعيّة»، التي أصدرها في الذكرى العشرين للرسالة العامّة «تَرقّي-تقدُّم الشعوب» (30 ديسمبر/كانون الأوّل 1987)، تتطرّق البابا يوحنّا بولس الثاني «إلى آفة التّخلّف، واعترف بفشل العديد من المحاولات الرّامية إلى سدّ الفجوة الاقتصاديّة للشعوب الفقيرة ومرافقتها في عمليّة التّصنيع، ولاحظ استمرار الفجوة بين شمال العالم وجنوبه، بل اتّساعها أحيانًا. وندّد بالآليّات الاقتصاديّة والماليّة والتجاريّة التي تديرها الدّول الأقوى، وتفضّل مصالحها بشكل هيكلي وتخنق أنظمة الاقتصاد الضّعيفة، وطالب بأن تخضع هذه الآليّات أيضًا لتقييم أخلاقيّ جاد، وليس تقنيًّا فحسب» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 38).

بعد سقوط "جدار برلين" (9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989)، أقرّ البابا يوحنّا بولس الثاني بانتصار السوق الحرّة؛ ولكنّه حذّر بشدةٍ من "الرأسماليّة الجامحة". ولذا، تقدّم رسالتُه العامّة «السّنة المئة»، الصادرة في الذكرى المئويّة لصدور الرسالة العامّة «أمور-شؤون جديدة» (1 مايو/أيّار 1991)، «رؤية حول انهيار النّظام السّوفييتيّ وانتصار الدّيمقراطيّة واقتصاد السّوق». وتؤكّد أنّ الكنيسة «تعترف بالإمكانات الإيجابيّة للسوق والمبادرة الخاصّة، على أن تبقيا خاضعَتَين للقانون الأخلاقيّ وموجَّهَتين بمبدأ التّضامن، دون التّضحيّة بالضّعفاء من أجل منطق الرّبح» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 39).

وجديرٌ بالذكر أيضًا أنّ البابا يوحنّا بولس الثاني قد نَشَرَ، في الـ25 من مارس/آذار لعام 1995، رسالتَه العامّة «إنجيل الحياة» (Evangelium vitae). وتُعَدُّ هذه الوثيقةُ البيانَ التأسيسيّ لحركة "مناهضة الإجهاض" العالميّة. وقد صاغ قداسة البابا مصطلحَ "ثقافة الموت"، للتنديد بالديمقراطيّات الحديثة التي شرّعت إنهاء حياة الضعفاء؛ وقيّد بشكلٍ كبير قبول "عقوبة الإعدام".

8. البابا بندكتُس السادس عشر ورسالته العامّة: «المحبّة في الحقّ» (Caritas in veritate)
في خضمّ "الأزمة الماليّة العالميّة" و"العولمة"، أصدر البابا بندكتُس السادس عشر رسالتَه العامّة «المحبّة في الحقّ» (29 يونيو/حزيران 2009)، للتفكير والتعمّق مجدّدًا في مفهوم "التنمية الشاملة والمستديمة". وقد شكّلت نقطةَ تحوّلٍ حاسمة، إذ طرحتْ فكرةَ أنّ الاقتصاد لا يمكن أن يعمل بمعزلٍ عن الأخلاق. وقدّمت هذه الوثيقةُ مفهومًا مفاده أنّ السوق ليس غايةً في حدّ ذاته، وأنّ "منطق العطاء" يجب أن يكون جزءًا لا يتجزّأ من النشاط الاقتصاديّ. «إنَّ المحبةَ في الحق [...] هي القوةُ الأساسيةُ التي تعطي دفعاً للتنميةِ الحقيقيةِ لكل شخصٍ وللبشريةِ جمعاء [...] هو المحورُ الذي تدورُ حولَهُ عقيدةُ الكنيسةِ الإجتماعية» ("المحبّة في الحقّ"، بندان 1 و6).

وعلى هذا النحو، أكّد قداسةُ البابا «أنّ النّشاط الاقتصاديّ لا يمكنه أن يدّعي حلّ المشاكل الاجتماعيّة بمجرّد توسيع منطق السّوق، بل يجب أن يكون موجّهًا نحو الخير العام، وتقع المسؤولية الكبرى في ذلك، وبصورة لا يمكن استبدالها، على المجتمع السّياسيّ [و] وضع البابا بندكتس السّادس عشر المحبّة في صميم هذا التّفسير الجديد، وأكّد أنّها "الطّريق الرّئيسيّ لتعليم الكنيسة الاجتماعيّ"، بشرط أن تكون دائمًا مرتبطة بالحقّ. ولاحظ بقلق أنَّ هناك ميلًا في المجالات الاجتماعيّة والقانونيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة بالذّات إلى إعلان عدم أهمّيّتها الأخلاقيّة. تكمن مساهمته الجديدة في تأكيده على أنّ التّنمية والعدل والمؤسّسات والسّوق ليست حقائق محايدة، بل هي أماكن يجب أن تتجسّد فيها المحبّة في الحقيقة تاريخيًّا» ("الإنسانيّة الرائعة"، بندان 40-41).
9. البابا فرنسيس ورسائله العامّة: «فرح الإنجيل» (Evangelii Gaudium) و«كُنْ مُسَبَّحًا» (Laudato si’) و«كلّنا إخوة» (Fratelli tutti) و«لقد أحبَّنا» (Dilexit nos)

لقد أصدر البابا فرنسيس إرشاده الرسوليّ الأوّل «فرح الإنجيل» (24 نوفمبر/تشرين الثاني 2013)، مُؤمنًا بـ«النظر في التاريخ انطلاقًا من جراح الناس وآمالهم»، وبـ«إقامة حوار بينها وبين الإنجيل». وقد أكّد قداستُه أنّ «إعلان البشارة المسيحيّة لها بعد اجتماعيّ جوهريّ»، ودعا بدوره «إلى كنيسة قادرة على أن تسمع صراخ الفقراء والمهاجرين وضحايا أشكال العبوديّة الجديدة. وفي هذا السّياق، يندرج أيضًا إصرار البابا فرنسيس على كنيسة سينوديّة، كنيسة "تسير معًا"، وتسعى إلى قراءة "علامات الزّمن" في ضوء الإنجيل، وتسمح للفقراء الذين تشاركهم التّاريخ بأن يحملوا إليها بشارة الإنجيل» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 42).

وصدرتْ رسالةُ البابا فرنسيس العامّة «كُنْ مُسَبَّحًا»، التي تناولت رعاية "بيتنا المشترك"، في الـ24 من مايو/أيّار لعام 2015، أي قَبل أشهرٍ من "مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين" في باريس. وقد أسهم ذلك في إعادة تعريفِ تَغيّر المناخ كقضيّةٍ أخلاقيّة واجتماعيّة، وليستْ مجرّد قضيّة علميّة. و«قدَّم البابا فرنسيس أوّل تحليل منهجيّ شامل للأزمة البيئيّة في رسالة بابويّة عامّة اجتماعيّة، وأوضح أنّها ليست مسألة جزء من الكوكب، بل هي الجانب البيئيّ للأزمة الاجتماعيّة والاقتصاديّة المعاصرة. وجمع اقتراحه إلى بيئة متكاملة بين العناية بالبيت المشترك والخيار التّفضيليّ للفقراء، وأكّد بقوّة أنّ "صرخة الأرض وصرخة الفقراء" لا يمكن فصلهما» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 43).

«أمام تفكّك النّسيج الاجتماعيّ، و"الحرب العالميّة المجزّأة"، وعولمة الفرديّة»، وفي سياق العُزلة بسبب "جائحة كورونا" (كوفيد-19)، وانطلاقًا من صداقته مع شيخ الأزهَر أحمد الطيب، أصدر البابا فرنسيس رسالتَه العامّة «كلّنا إخوة» (3 أكتوبر/تشرين الأوّل 2020). وأطلق قداسةُ البابا «الحلم في إنسانيّة تعرف أن تختار الصّداقة الاجتماعيّة والأخوّة العالميّة. دعا إلى ثقافة اللقاء، وإلى "سياسة أفضل" قادرة على أن تسعى إلى الخير العام، وإلى سُبُلٍ للمصالحة، وإلى عالَمٍ يضمن "الأرض والمسكن والعمل للجميع"» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 44). 

وأمّا في رسالتِه العامّة الأخيرة «لقد أحبَّنا» (24 أكتوبر/تشرين الأوّل 2024)، فقد بَيَّنَ «أنّ هذه الالتزامات الاجتماعيّة الكبرى ليست منفصلة عن علاقتنا الشّخصيّة مع يسوع المسيح: فبالعودة إلى كلمة الله، يذكّرنا بأنّ الرّدّ الحقيقيّ على محبّة قلب يسوع هو المحبّة الحقيقيّة لإخوتنا، ويؤكّد أنّه "ليس من عمل أعظم يمكن أن نقدّمه من أن نردّ على المحبّة بالمحبّة"» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 44).

بإيجازٍ، إنّ «تعليم الكنيسة الاجتماعيّ ليس ثمرة مشروع تمّت صياغته على الورق، بل هو نتيجة مسيرة صابرة، قدَّم فيها كلّ حَبْر، مع المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، مساهمة أصيلة في ضوء "الشّؤون الجديدة" في عصره. وقد أظهر كلّ واحد منهم، بمواجهة تحدّيات عصره وقراءة التّغيّرات التّاريخية في ضوء الإنجيل، جوانب مختلفة من تراث واحد: كرامة الإنسان، وقيمة العمل، والغاية المشتركة للخيرات، والتّضامن والتّكافل، والعناية بالخليقة، ومركزيّة السّلام والأخوّة. ونتج عن ذلك تطوّر متناغم، وإن لم يكن دائمًا مباشرًا، اتّسم بتركيزات مختلفة، وتعمّقات تدريجيّة، وأحيانًا بتغييرات في الرّؤية لا تنفصل عمّا سبقها، بل تجعل آثارها تنضج» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 45).

[يُتبَع]