بينما كانت الطائرات الإسرائيلية "تتنزّه" في سماء صيدا والشوف، وتوزع إنذاراتها كمنشورات دعائية على سكان لبايا وسحمر، انطلقت في واشنطن يوم الخميس، الرابع عشر من مايو 2026، جولة ثالثة من المفاوضات.
 
يبدو أن العالم يعتقد أن الجلوس خلف الطاولات المكيفة في وزارة الخارجية الأمريكية كفيل بلجم الميدان، لكن الحقيقة أنك إذا أردت أن تلمس الواقع فعليك متابعة حرب لبنان مباشر لحظة بلحظة، لترى كيف تُترجم "الرغبة في السلام" إلى غارات تدمر القرى فوق رؤوس ساكنيها في مجدل زون وزبقين وصريفا.
 

يومان من "الدردشة" في واشنطن برعاية "عرّاب الاستيطان"

تكتسب هذه الجولة أهمية خاصة، لا لأنها ستحقق معجزة، بل لأنها تمتد ليومين كاملين من الاجتماعات المكثفة. وصل السفير الأمريكي مايك هاكابي إلى مقر الخارجية حاملاً معه "الجدية" المعتادة، وهو السفير نفسه الذي صرّح سابقاً وبكل فجاجة أمام الإعلام الأمريكي بأن من حق إسرائيل "تكبير حدودها".
 
تخيلوا المفارقة؛ الوسيط الذي يُفترض أن يناقش انسحاباً إسرائيلياً وترسيماً للحدود، هو نفسه من لا يؤمن بوجود "احتلال" أصلاً ويرى في التوسع حقاً مشروعاً!
 
في المقابل، وصل الوفد اللبناني وهو يدرك تماماً أن الرسالة الأمريكية التي نقلتها "جيروزاليم بوست" كانت واضحة: "قدموا شيئاً مهماً للإسرائيليين، وإلا..".
 
وهنا كلمة "وإلا" تعني مزيداً من الضحايا الذين تجاوز عددهم، وفق وزارة الصحة اللبنانية، 2896 شهيداً و8824 جريحاً منذ مطلع مارس الماضي. يبدو أن "الدفاع عن النفس" الإسرائيلي يتطلب دائماً فاتورة باهظة من دماء المدنيين لإرضاء أطماع التوسع.
 

الكوميديا السوداء: أسلاك شائكة لمواجهة المسيرات!

في قمة الاستهزاء بالعقول، نقلت القناة 12 الإسرائيلية أن جيش الاحتلال بدأ بتزويد قواته في لبنان بشبكات من "الأسلاك الشائكة".
 
نعم، قرأتِ الخبر صح! الجيش الذي يمتلك تكنولوجيا القبة الحديدية والذكاء الاصطناعي، يظن أن الأسلاك الشائكة ستحمي جنوده، حيث تتصدر المسيرات الانقضاضية أخبار حزب الله في حربهم ضد الآلة الصهيونية المسعورة.
 
إنها مفارقة ساخرة؛ طائرة بدون طيار تتجاوز كل الرادارات، يواجهونها بسياج حديدي، ربما في المرة القادمة سيستخدمون شباك الصيد!
 

تهجير "قانوني" تحت رعاية دولية

بينما يتناقش الدبلوماسيون في واشنطن حول "عودة النازحين"، كانت إسرائيل تصدر أوامرها بنزوح جماعي جديد من عين التينة، يحمر، لبايا، وتفاحتا. المشهد في البقاع الغربي يختصر كل القصة؛ طوابير من السيارات المحملة بالذكريات والفرشات، تهرب من "الهدنة" التي لا يراها أحد سوى الوسطاء.
 
إسرائيل لا تحسب حساباً لأحد؛ لا لقوات اليونيفيل التي تقف متفرجة، ولا للأمم المتحدة التي أصبحت بياناتها "نسخ ولصق" من حروب سابقة. إسرائيل تفاوض لتملي شروطاً، وتضرب لتكسر إرادة، والولايات المتحدة تلعب دور "الوسيط النزيه" الذي يهمس في أذن الضحية: "لا تستفزي الجلاد".
 

تحليل الموقف: هل هناك أحد في البيت؟

من وجهة نظر تحليلية متهكمة، يمكن القول إن ما يحدث في واشنطن هو "عرض مسرحي" بامتياز. إسرائيل تضرب صيدا والمنصوري وأرنون في الصباح، وتجلس للتفاوض في المساء، وكأنها تمارس رياضة يومية. المنطق الإسرائيلي بسيط جداً: "سأستمر في القصف حتى تطلبوا الرحمة، وسأسمي ذلك دفاعاً عن النفس".
 
أما المجتمع الدولي، فهو في غيبوبة اختيارية متعمدة. فما يسمى بـ مشاريع السلام التي هُيئ للعالم أنها ستغير وجه المنطقة—والتي بدأت بوعود ترامب البراقة—أثبتت فشلها الذريع، فها هي غزة لا تزال تحت القصف والدمار، ولم تحمِها اتفاقيات ولا وعود.
 
لذا، ماذا ننتظر من أمريكا اليوم؟ إسرائيل تدرك جيداً أن الضوء الأخضر ما زال ساطعاً، وأن صراخ الأمهات في سحمر وتفاحتا لا يصل إلى قاعات واشنطن المعزولة صوتياً بفعل المصالح. للأسف، يبدو أن المفاوضات في القاموس السياسي الحالي ليست إلا مسرحية هزلية، وفترة استراحة تكتيكية لتبريد المدافع وتبديل الذخيرة ليس إلا.
 

التنسيق اللبناني: المواكبة في زمن الانهيار

في بيروت، جرى لقاء بين الرئيسين عون وسلام للتوافق على مواكبة المفاوضات. التوافق جميل، لكنه يشبه التوافق على لون الستائر والمنزل يحترق. الجهد الرسمي اللبناني يحاول التمسك بسيادة لا تعترف بها الطائرات المعادية التي تجوب الأجواء دون استئذان. الحقيقة أن لبنان يخوض معركة دبلوماسية بـ "صدر مكشوف"، أمام خصم يضع السلاح على الطاولة قبل أن يضع أوراقه.
 
الواقع الميداني يقول إن التفاوض الحقيقي يجري في وادي السلوقي وكفرتبنيت وتولين، حيث المدافع هي التي تتحدث، أما في واشنطن، فالمحادثات ليست سوى محاولة لترجمة الهزائم أو الانتصارات الميدانية إلى نصوص قانونية مهترئة.
 

في الختام

إن جولة المفاوضات هذه، بكل ما فيها من صخب إعلامي ووفود وسفراء، تبقى "فقاعة" طالما أن طائرة مسيرة واحدة قادرة على تعطيل جدول أعمالها. إسرائيل لا تريد حلاً، بل تريد خضوعاً، وواشنطن لا تريد ضغطاً، بل تريد إدارة للأزمة بما يضمن أمن حليفتها. وفي النهاية، يبقى المواطن اللبناني هو الوحيد الذي يفهم معنى "التفاوض" الحقيقي: هو أن تنجو بيومك من غارة غادرة، بينما يشرب الدبلوماسيون قهوتهم في واشنطن ويناقشون "توسيع رقعة الهدنة" التي لا وجود لها إلا في خيالهم.