بقلم الباحث/ نجاح بولس
لا تهدف هذه السطور إلى الشكوى أو إعلان التمرد، بل إلى طرح مقترح لمعالجة إشكالية اجتماعية تمس أقباط المهجر بالدرجة الأولى، وبعض الشرائح القبطية في الداخل أيضًا. وهي لا تتعلق بعقائد أو طقوس كنسية، بل بممارسات تؤثر في تماسك النسيج الاجتماعي للمكّون القبطي، وقد تنعكس سلبًا على استقرار بعض الأسر والعائلات، كما تعكس صورة مرتبكة عن كنيستنا القبطية العريقة التي تحتضن أبناءها الأقباط بمختلف توجهاتهم الفكرية وانتماءاتهم المذهبية.
تتلخص المشكلة في تكرار مشهد دخيل على كنيستنا القبطية، فضلًا عن كونه مهينًا ومؤلمًا لكثير من العائلات، أثر قيام خدام بعض الكنائس القبطية الأرثوذكسية في المهجر بمنع خدام كنائس أخرى من تقديم واجب العزاء عبر كلمات التعزية المعتادة للأسر المكلومة داخل القاعات الملحقة بالكنيسة. وقد بدأ الأمر بممارسات ومبادرات فردية من بعض الأشخاص، ترسخت تدريجيًا كثقافة وسط كثير من الجاليات القبطية، يستجيب لها بعض الآباء والخدام، حتى وإن لم يكونوا مقتنعين بها أو مؤيدين لها، تجنبًا للصدام أو الحرج.
وعلى أثر تلك المشاهد تتعرض الأسر لمواقف محرجة وصادمة في لحظات إنسانية بالغة الحساسية، كما تخلق حالة من الانقسام داخل المكوّن القبطي بالمهجر، وتتسبب أحيانًا في خلافات بين أفراد الأسرة الواحدة أو العائلة نتيجة ما تثيره من جدل وسجال. وصدور توجيهات أو توصيات كنسية بهذا الشأن يرفع الحرج عن آباء الكنيسة بالمهجر، ويساعد على مواجهة هذه الثقافة التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة، بما يعزز روح المحبة والوحدة بين أبناء الجاليات القبطية.
وقبل تحليل المشكلة وآثارها، نؤكد أن القاعات التي يُقام فيها العزاء هي مرافق ملحقة بالكنائس، تُستخدم لتناول الوجبات وإقامة الأنشطة الاجتماعية والترفيهية والرياضية، فضلًا عن الاحتفال بأعياد الميلاد وغيرها من المناسبات الاجتماعية، إلى جانب استقبال المعزين في حالات الوفاة. وعليه، فإنها لا تُعد منابر كنسية للتعليم أو أماكن لممارسة الأسرار الكنسية، بل هي مرافق مخصصة للأنشطة الاجتماعية والخدمية.
أما الحديث عن تفكك النسيج القبطي في المهجر فليس مبالغة أو تهويلًا. فالمكوّن القبطي بكل انتماءاته المذهبية الذي يمثل كتلة اجتماعية متجانسة تتشارك الهموم والقضايا والانتصارات، يعاني الانقسام في المهجر بسبب ممارسات ناتجة عن عدم الإدرك الجيد لخصوصية بعض المجتمعات التي يندرج منها المهاجرون الأقباط، فتفتح الباب أمام سجالات طائفية واتهامات بالإقصاء والتمييز لا داعي لها.
وإذا ما وضعنا في الاعتبار الطبيعة الاجتماعية والثقافية للكتلة القبطية في صعيد مصر، حيث لا تُعد التعددية المذهبية استثناءً، بل واقعًا حاضرًا داخل معظم العائلات، وقد تضم الأسرة الواحدة أبناءً من انتماءات كنسية مختلفة، بل ورجال دين من أكثر من طائفة. لذلك تبدو محاولات نقل الخلافات المذهبية إلى المناسبات الاجتماعية غريبة عن هذا الموروث الاجتماعي الذي نجح لعقود طويلة في استيعاب التنوع والحفاظ على تماسك المكوّن القبطي رغم اختلاف انتماءاته الكنسية.
وقد عشنا في قرى ومراكز الصعيد متصالحين مع هذا التنوع، بل اعتبرناه إحدى السمات الإيجابية التي تميز محافظات مصر العليا، أسهم في ترسيخ روح التماسك والتعايش بين الأقباط رغم اختلاف انتماءاتهم الكنسية. ولنا أن نتأمل حجم التضحيات التي تحملها أقباط هذه المحافظات وكم قدموا من شهداء في العصر الحديث، وما تعرضوا له من تضييق واستهداف على يد الجماعات الإرهابية، لنُدرك كيف ظلوا متمسكين بوحدتهم الاجتماعية وإيمانهم المسيحي في مواجهة المحن والتحديات.
وكامتداد لتلك الحالة في صعيد مصر، هكذا ينتقل الأقباط إلى بلاد المهجر حاملين نفس خصائصهم الاجتماعية، ومن الطبيعي أن نجد بعض الجاليات المصرية بالمهجر ينحدر معظم أفرادها من بيئة جغرافية في مصر لها خصائص مميزة، فالجالية المصرية بولاية تينيسي الأمريكية على سبيل المثال، قطاع كبير منها ينتمي إلى محافظة المنيا، ورغم تفاوت شرائحهم التعليمية والاقتصادية والثقافية، يحملون نفس الخصائص الاجتماعية المميزة للمكّون القبطي في المحافظة ومن بينها التعددية المذهبية، حتى إن بعض العائلات المقيمة في مدينة ناشفيل- تينيسي تضم بين أفرادها آباء كهنة وقساوسة وخدام تابعين لمذاهب مختلفة.
وفي سياق آخر، ما التهديد لعقيدتنا الأرثوذكسية من كلمة تعزية لأسرة مكلومة تقدم من خادم بكنيسة أخرى! وإلى هذا الحد نشكك في رسوخ إيمان شعبنا ونتخوف انحراف أفكارنا بسبب كلمات مواساة تقليدية تتردد في سرادق العزاء! وماذا يطلب من الأسرة الحزينة حال قيام أحد المعزين بمؤازرتها بكلمة تعزية؟ وما الحال إذا كان هذا المعزي من جنسية أخرى كزميل أو مدير عمل وأراد مجاملة صديقه، هل يتم منعه كما مُنع خدام كنائس أخرى بعد بدء كلماتهم في مشاهد مؤسفة لا تليق بجلال الموقف؟!
وماذا لو كان المعزّي من ديانة أخرى وأراد مواساة الأسرة بكلمات رقيقة داخل القاعة؟ وماذا لو كانت الأسرة نفسها تنتمي إلى كنيسة من طائفة أخرى ولجأت لقاعة تابعة لكنيسة أرثوذكسية لعدم توافر قاعة بكنيستها، فهل يُمنع خدام كنيستها من تقديم كلمات التعزية؟ وما الجدوى من دفع بعض الأسر إلى تقسيم عزاء أحبائها بين أكثر من قاعة تجنبًا للحرج والمواقف المؤلمة؟ ولماذا تتكرر هذه المشاهد في المهجر تحديدًا، رغم أنها لم تكن مألوفة في المجتمع المصري الذي اعتدنا فيه حضور كلمات التعزية وتبادلها دون حساسيات مذهبية؟
وأخيرًا، يكمن الحل في إصدار توصيات كنسية، سواء من اللجان المختصة بالمجمع المقدس أو من البطريركية، تسمح للكنائس بتسليم القاعات الملحقة بها إلى الأسر التي تحتاجها لإقامة سرادق العزاء. وبذلك تُخلى مسؤولية الكنيسة عن القاعة خلال تلك الفترة، وتتولى الأسرة مسؤوليتها كاملة، ويكون لها الحق في استقبال التعازي بالصورة التي تراها مناسبة، مع الالتزام باللوائح المنظمة لاستخدام القاعة بما يتناسب مع قدسية المكان الملحقة به.
وفي هذه الحالة، يُرفع الحرج عن آباء الكنيسة وخدامها من خلال توصيات كنسية عليا، خاصة أن بعض الآباء الكهنة لا يمانعون ذلك، لكنهم أعربوا عن تخوّفهم من أن يُحسب الأمر على مسؤوليتهم الشخصية، فيتعرضوا للحرج أمام رؤسائهم أو شعبهم. كما من شأن هذه التوصيات أن تحد من بعض مظاهر التشدد أو التسلط التي قد تُمارَس، بقصد أو بغير قصد، تجاه الأسر صاحبة العزاء.
ومن رأيي، إن لم نسارع إلى إصدار مثل هذه التوصيات، فقد تلجأ بعض الأسر إلى استئجار قاعات مدنية خارج الكنيسة لإقامة العزاء، ضمانًا لحقها في تلقي التعازي من جميع المعزين، على اختلاف انتماءاتهم المذهبية. وقد رصدت بنفسي تداول هذا المقترح خلال السجالات التي أعقبت تكرار مشاهد منع بعض الخدام من تقديم كلمات التعزية في مناسبات مختلفة. ولا يليق أن تمتلك الجاليات القبطية عشرات الكنائس وعشرات القاعات، ثم يضطر أبناؤها إلى اللجوء لأماكن خارج الكنيسة لإقامة مراسم عزاء يُفترض أن ترتبط بالأجواء الروحية التي تمنح الأسرة المكلومة قدرًا من العزاء والمساندة في وقت المحنة.
بقلم الباحث/ نجاح بولس





