دكتور مهندس/ ماهر عزيز 
3 يونيو 2026

الأيقونات وصور القديسين التي أبدعها في كنائس الغرب الفنانون العظام مثل ليوناردو دافنشي وغيره من عباقرة الفن، والأيقونات وصور القديسين التي أبدعها في كنائس الشرق الفنانون الموهوبون مثل إيزاك فانوس وعادل نصيف، تركت لنا آثارا رائعة، لكن الغرب لم يتعامل معها كما يتعامل معها الأقباط في مصر، فإذا حاق التعامل معها ظلال من الشعوذة والإثم، فالإثم ليس في الفن العظيم .. الإثم في الجهل !!!

تحفل فنون الكنائس الغربية بأعمال عمالقة عظام،  وهي ليست "أيقونات" بالمعنى البيزنطي الأرثوذكسي، لكنها "فن مسيحي غربي" بنفس الروح، فلقد رسم فنانو الغرب القديسين، وقصة حياة المسيح علي الأرض على الجدران والأسقف والواجهات.

فإذا أردنا مراجعة أسماء بعض أهم الفنانين الذين زينت لوحاتهم كنائس الغرب، يطالعنا أول ما يطالعنا الفنانون العظام هكذا :

أولا  :  عصر ما قبل النهضة - الفن البيزنطي والقوطي :
1 -  جوتو  
Giotto di Bondo  (1267-1337)  : 

هو أبو الفن الغربي الذي قام برسم "حياة العذراء والمسيح" على جدران كنيسة سكروفيني في بادوفا بإيطاليا، وهو الذي نقل الفن من الرمزية إلي الواقعية.

2 -  فرا أنجيليكو
Fra Angel   (1395-1455)  : 

راهب دومنيكاني ورسام، قام برسم جدران دير سان ماركو في فلورنسا بأيقونات قديسين، وتعتبر لوحة "بشارة الملاك" أشهر لوحاته، وأسلوبه روحاني هادي جداً.

ثانيا  :  عصر النهضة - القمة :
1 -  مايكل أنجلو 
Michelangelo  (1475-1564)  : 

قام برسم سقف كنيسة سيستين في روما في الفاتيكان، التي عبر فيها عن قصة "خلق آدم" و "الدينونة الأخيرة" على حائط المذبح، وهي أكبر قصة كتابية مرسومة على جدار واحد.

2 -  ليوناردو دا فينشي 
Leonardo da Vinci  (1452-1519)  : 

قام برسم لوحة "العشاء الأخير" على حائط دير سانتا ماريا ديلي جراتسيه بميلانو، وهي أشهر تصوير لحدث جلل في حياة السيد المسيح.

3 -  رافائيل 
Raphael  (1483-1520)  : 

عرف رافائيل في الفاتيكان، ورسم "مدرسة أثينا"، ولوحات كتيرة عن العذراء والقديسين للبابوات.

4 -  تيتيان 
Titian   (1488-1576)  : 

تمتلئ كنائس البندقية بلوحاته، التي من أشهرها  "صعود العذراء" في كنيسة سانتا ماريا جلوريوزا دي فراري.

5 -  كارافاجيو 
Caravaggio  (1571-1610)  : 

غيرت واقعيته القوية الفن الديني، وتوجد في كنائس روما اثنتان من أشهر لوحاته، هما  "دعوة القديس متى" و "عشاء عماوس" موجودين في كنائس روما.

ثالثا  :  عصر الباروك وما بعده :
1 -  روبنز 
Peter Paul Rubens  (1577-1640)  : 

قام روبنز الفلمنكي برسم جدران كاتدرائية أنتويرب التي تمتلئ بلوحاته الضخمة عن الصلب ونزول المسيح عن الصليب.

2 -  رمبرانت
 Rembrandt   (1606-1669)  : 

رغم أنه بروتستانتي، قام برسم "العاصفة على بحيرة الجليل" و "عودة الإبن الضال" بأعمق إحساس إنساني ممكن.

3 -  مورييو 
Murillo   (1617-1682)  : 

كانت كنائس أسبانيا هي مجاله الواسع، علي الأخص كنائس إشبيلية، التي أودع فيها أشهر أعماله : "رؤيا القديس أنطونيو"، فضلا عن لوحاته الكثيرة للسيدة العذراء والقديسين بأسلوب ناعم ومضيء.

رابعا  :  أسماء أخري مؤثرة
1 -  دوتشو Duccio  : 

ينتمي إلي مدرسة سيينا،  وقد أبدع في رسم العديد من اللوحات الشهيرة، لعل في مقدمتها مذبح "المعستا" في كاتدرائية سيينا.

2 -  تشيمابوي Cimabue  : 
كان موجودا قبل جوتو، وقد رسم صلبان ضخمة في فلورنسا.

3 -  إل جريكو El Greco  : 
الذي قام برسم"دفن الكونت أورجاث" في كنيسة سانتو تومي بطليطلة بإسبانيا.

4 -  غيدو ريني Guido Reni : 
تمتلئ كنائس بولونيا وروما بلوحات القديسين والملائكة من إبداعه.

مدخل لفهم الأيقونة الغربية 
والأيقونة الشرقية :

ركز الفنان الغربي على الدراما والتشريح والمنظور. 
وكان الهدف يرتبط ارتباطا مباشرا بعملية أن "تحكي القصة"، حتي يتسني للمؤمن البسيط أن يفهم الإنجيل وهو موجود داخل الكنيسة، ولأجل ذلك كان "سقف كنيسة سيستين" في الفاتيكان بروما، وكانت لوحة "العشاء الأخير" كذلك مثل  "إنجيل مصور" على الجدران، ما نستوضحه علي نحو أكثر تفصيلا حول فن الأيقونة القبطي.

فن الأيقونة القبطي  :
يعد فن الأيقونة القبطي كنزا وحده، لأن الأيقونة القبطية تحمل الروح المصرية الأصيلة : بسيطة وعميقة وألوانها "تتكلم".
وأهم الفنانين الذين أبدعوا رسوم أيقونات قبطية وتعمقوا فن هذه  المدرسة هم :

1 -  معلمو المدرسة القبطية القديمة - دون أسماء :
معظم الأيقونات القبطية الأثرية من القرن الرابع الميلادي حتي القرن الثاني عشر مجهولة الفنان الذي قام برسمها، وكان الراهب "يكتب الأيقونة" ويمسح اسمه، لأنه لا يريد المجد الشخصي، ولا يبغي سوي تعظيم المجد لله فقط، وأمثلة هذه الأيقونات ما يوجد منها في دير الأنبا أنطونيوس، ودير الأنبا مقار، حيث ينظر للأسلوب الفني لهذه الأيقونات بوصفه الأصل لأسلوب القبطي للأيقونات.

2 -  رواد عصر النهضة القبطية الحديثة - 
القرنان التاسع عشر والعشرون
هؤلاء هم الذين أعادوا فن الأيقونة بعد فترة جمود :
*  المعلم يوحنا الأرمني و المعلم إبراهيم ناصف : 

من أشهر رسامي القرن التاسع عشر الذين جددوا أيقونات كتيرة في الكنائس القديمة بالقاهرة ومصر القديمة، ولا يزال أسلوبهم محتفظا بالروح القبطية ولكن بتأثير غربي بسيط.

*  المعلم ميخائيل الدهبي : 
ترك بكنيسة السيدة العذراء بحارة زويلة أهم أعماله، وكان بارعا في رسم وجوه القديسين الهادئة الوديعة.

*  المعلم إسحاق : 
من معلمي الدير المحرق، وتعرف أيقوناته بالألوان الترابية القوية.

3 -  عمالقة القرن العشرين - الذين شكلوا ملامح الأيقونة القبطية اليوم :
هؤلاء هم الذين تزخر كل كنيسة قبطية جديدة بلوحاتهم وفي مقدمتهم  :
*  إسحق فانوس (1919-2007)  : 

ويلقب ب"أبو الأيقونة القبطية الحديثة"، وهو الذي عاد إلي الأصل "البيزنطي-القبطي"، ونفض  عن الكنيسة القبطية الغبار الغربي . 
توجد لوحاته في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وفي معظم كنائس مصر والمهجر. أسلوبه صارم، وألوانه قوية، وكل رسام قبطي جاء من بعده يدين له بالتلمذة.

*  عدلي سليم  (1928-2011)  : 
تلميذ إسحق فانوس، وقد كانت روحه أكثر شاعرية، ومن أشهر أيقوناته أيقونة السيدة العذراء المأثورة بالحنان، وتملأ رسومه دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون وكنائس كتيرة بمصر والخارج.

*  مجدوب جرجس  : 
من جيل الرواد كذلك، وتتركز معظم أعماله في كنائس الصعيد، وهي تتسم بالقوة.

*  الفنان عادل نصيف  :
خربج إحدي كليات الفنون الجميلة بمصر، وقد تميزت لوحاته بالقوة والحيوية والإبداع والالتزام القبطي، وقد برع في تنفيذ لوحات الفن القبطي بطريقة الفسيفساء ( الموزاييك )، وتنتشر الكثير من لوحاته علي واجهات كنائس المهجر وفي داخلها. 

4 -  الجيل الحالي -  تلاميذ المدرسة :

*  القمص يوسف منصور : 

راهب وكاهن ورسام، له العديد من الكتب في قواعد رسم وكتابة الأيقونة، وهو مهتم بتعلّيم جيل جديد.
تلتزم كل أعماله 100% بقواعد رسم الأيقونة القبطية.

*  الأب دانيال الصموئيلي  : 
أحد رهبان دير الأنبا صموئيل، وأسلوبه تقليدي وأصيل جداً.

*  المهندس ناجي فريد : 
من أشهر الرسامين اليوم، وهو يجمع بين الأصالة والاحترافية.

ماذا يميز الأيقونة القبطية عن البيزنطية ؟

1 -  ملامح الوجه  : 
العين واسعة جداً، والأنف طويل، والفم صغير، وهي تجسد "نظرة الدهشة" قدام الله.

2 -  الألوان : 
ترابية أكتر، واللون الأحمر القبطي والأزرق الغامق مميزان.

3 - البساطة : 
لا توجد زخرفة زيادة، والتركيز كله على الشخصية المرسومة.

4 - الخلفية :  
ذهبية في معظم اللوحات، أو ألوان سادة، حتي لا يتشت المشاهد عن شخصية القديس في الأيقونة.

5 -  القاعدة الأكثر أهمية : 
"الأيقوني القبطي" ليس مجرد "فنان حر"، بل هو راهب يصلي وهو يكتب، أو فنان يكرس نفسه تماما بروح الصلاة، يحفظ قواعد وقوانين الأيقونة بدقة شديد : الأبعاد، والمقاسات، والألوان، والوضعيات.    

ولأجل ذلك كل أيقونات القديس مار مرقس - كمثال -  تشبه بعضها البعض في كل كنائس العالم ، كأنما "أيقوني" واحد قد رسمها. 

أهم الفوارق بين فن اللوحات الغربية 
وفن الأيقونة الشرقي


لا يقتصر الفارق علي الألوان والأسلوب، لكنه يتمثل بالأكثر فيما هو "لاهوتي" قبل أن يكون فنيا، فالكنيسة الغربية والشرقية قد قامتا برسم المسيح والقديسين، لكن كل واحدة تقدم سردية الإيمان بطريقتها.

1 -  الفارق الفني  :
*  الهدف في الأيقونة الشرقية - البيزنطية :  يقدم نافذة علي السماء، وليس تصوير شخص، بل إعلان حضوره، والقديس حاضر فعلا في الأيقونة.

*  الهدف في اللوحة الغربية - النهضة والباروك :
يقدم "قصة مصورة"، تحكي حدث في الإنجيل للمؤمن البسيط الذيىلا يمكنه القراءة.

*  المنظور في الأيقونة الشرقية - البيزنطية :
"منظور عكسي"، تهرب فيه الخطوط من اللوحة للمشاهد، والمشاهد يجد نفسه داخل المشهد، لا يتفرس فيه من الخارج. 

*  المنظور في اللوحة الغربية - النهضة والباروك : 
"منظور خطي" يظهر بوضوح عند دافنشي، ونقطة هروب واحدة داخل اللوحة، التي يتفرج فيها المشاهد  كأنه من نافذة.

*  الوجه والجسد في الأيقونة الشرقية - البيزنطية :  
الجسد مسطّح، ليس فيه عضلات ولا تشريح،  والوجه طولي، هادئ، والعيون كبار، والتركيز على الروح وليس الجسد. 

*  الوجه والجسد في اللوحة الغربية - النهضة والباروك :
تشريح دقيق، وعضلات، وظل ونور - علي مثال  "كياروسكورو"  ل كارافاجيو، والجسد واقعي 100%.

*  الألوان في الأيقونة الشرقية - البيزنطية :  
يميزها ذهب كتير، حيث يرمز الدهب للمجد الإلهي غير المخلوق، والألوان لها رمزية قوية،  فالأحمر يرمز للألوهية، والأزرق للبشرية. 

*  الألوان في اللوحة الغربية  - النهضة والباروك :
ألوان طبيعية، وظلال، وتدرج لوني، لتجسيد  الواقعية والجمال الحسي.

*  الحركة في الأيقونة الشرقية - البيزنطية  :
لا توجد حركة درامية،  و "القديسين" واقفون أو قاعدون بوقار، والزمن ساكن. 

*  الحركة في اللوحة الغربية - النهضةوالباروك :
تعبير الوجه دراما، وفي "العشاء الأخير" - كمثال - كل تلميذ له رد فعل مختلف.

2 -  الفارق اللاهوتي ( الأهم ) :
*  الأيقونة الشرقية :

تعبر دائما عن "لاهوت التجسد"،  والقاعدة هي :  " ما لا يُصوّر لا يُخلّص"، وبما أن أقنوم الكلمة تجسد وصار إنسانا في المسيح يسوع، فذلك إيذان بإمكانية رسمه،

والأيقونة ليست صورة تذكارية، بل هي "حضور"،  والنظر إليها بتقدير نابع من تكريم صاحب الأيقونة نفسه الذي تستحضر الأيقونة وجوده حاضرا فيها بالنعمة. 

ولذلك يقال إن الأيقونة تكتب "write" ولا ترسم "paint"، والرسام ينبغي أن يصوم ويصلي في كل مرة يمسك فيها الفرشة.

وهدف الأيقونة أن توصل المؤمن للسماء. وتخرجه من الواقعية الي الأبدية.

*  اللوحة الغربية : 
تعبر عن "لاهوت التجسد و التعليم"،  فبعد مجمع ترنت عام 1545، استخدمت الكنيسة الكاثوليكية الفن كسلاح ضد الكنيسة الإنجيلية/البروتستانتية".
وقد صار الفنان الغربي كمثل واعظ، فراح مايكل أنجلو يرسم "الدينونة الأخيرة" لكي يروع المشاهد من الخطية، ورسم كارافاجيو "توما يضع إصبعه في جنب المسيح" ليثبت قيامة الجسد.

وهدف اللوحة هو التأثير علي مشاعر المشاهد، فتجعله يبكي، ويخاف، ويحب، ويتعاطف مع المسيح وهو متألم.

3 -  الطابع الروحي/ التكريمي : 
في الأيقونة الشرقية القديس "متألّه"، وقد صار  نورانيا، ملكوتيا، ولذلك فالهالة دائرة كاملة.

وكمثال يوضح الفرق دعونا ننظر "لوحة الميلاد" لفنان قبطي شرقي وفنان غربي.

يرسم الفنان الشرقي الأيقونة والعذراء جالسة على الفراش،  والطفل يسوع ملفوفا وموضوعا  في مذود، ويوسف النجار واقفا غالبا، وحولهم حيوانات فقط، دون تفاصيل،  والرسالة هنا : " إله متجسد نزل لأرضنا ليموت لاجل خلاص الناس".

أما الفنان الغربي فيرسم اللوحة مثل رامبرانت، بها إسطبل غارق في القش، ونور ينبعث من الطفل يسوع، ويوسف النجار مستغرب، والرعاة منبهرون، والرسالة هنا : "أنظر إلي أي مدي هذا الحدث إنساني ومؤثر".

وهكذا ..  كأنما الشرق يقول : "ارفع عينيك إلي السماء، هذا هو المجد، بينما الغرب يقول : "أنظر إلي الأرض، هذا إلهك تألم مثلك بالظبط".
الإثنان صحيحان  ويكملان أحدهما الآخر ..  الشرق يحفظ "السر"، والغرب يشرح "القصة".

تحفة الفنان اسحق فانوس :

[  في نهاية المقال تجد أيقونة "البانطوكراتور - ضابط الكل" مولدة بنفس أسلوب الفنان "اسحق فانوس" لتعرف تفاصيل الوجه والعيون والألوان القبطية عن قرب  ]

يعتبر النقاد أيقونة "السيد المسيح ضابط الكل - البانطوكراتور Pantocrator" للفنان القبطي "اسحق فانوس"  "كتابا مفتوحا" لفن الأيقونة القبطي، وهي موجودة في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، حيثة رسمها "المعلم إسحق فانوس" عام 1968، وهي نموذج للفن القبطي الخالص، تتجلي فيها كل خصائصه، وتدررس بها قواعد الأيقونة كلها :

*  الوجه :  مستطيل، هادئ، والعين الشمال تنظر للسماء = ألوهيته، أما العين اليمين فتنظر للمشاهد = إنسانيته ورحمته، والأنف طويلة مستقيمة = وقاره، والفم صغير ومغلق = الصمت أو العمق الإلهي.

*  اليد :  يرفع إصبعين للبركة = الطبيعتان الإلهية والبشرية،  ويمسك بالإنجيل في يده الشمال = هو الكلمة.

*  الألوان : الرداء أحمر من داخله = اللاهوت، وأزرق من خارجه = الناسوت، والهالة ذهب داخلها صليب  مكتوب عليه "أو أون" = الكائن.

*  الخلفية : ذهب سادة 100%، لا توجد نافذة  ولا شجرة ولا أي عنصر يشتت الناظر .. هو وحسب.

هذه ليست مجرد صورة للسيد المسيح، هذه "إعلان إيمان" بالحبر والذهب.

ولقد كانت القاعدة الذهبية التي يلقنها فانوس لتلاميذه :  "قبل أن  ترسم الهالة الذهب حول الراس، لابد  أولا أن ترسم الهالة النور جوه القلب".

ولذلك لا يوجد في الأيقونة القبطية تعبير "حزن" أو "فرح"، لكنها فيها تعبير واحد فقط، ألا وهو  "السلام" .. السلام الذي تجاوز الألم ووصل إلي رب المجد.

الأيقونة القبطية : تقديس أم شعوذة ؟
يحفظ لنا التاريخ القبطي قصة رائعة لبطريرك مبارك مؤيد بالروح القدس، هو البابا «كيرلس الرابع"، الملقب :  "أبو الإصلاح"، الذي كان شعلة من الفكر والجهد والنور انبلجت وسط ظلام التخلف الشديد الذي قد غطي الكنيسة القبطية والشعب القبطي قبل أن يجيء.

يحكي التاربخ أن هذا البابا المبارك رأى شعبه غارقاً في عبادة الأيقونات، يعاملها بتقديس شاذ فيسجد لها، ويستمطر منها البركة علي نحو شعوذي خطير، معتبرا إياها مقدسة في ذاتها ومصدرا للنعمة والجود الإلهي، وهي معلقة على الجدران القديمة للكاتدرائية البابوية .. منفصلين هكذا عن شخص المسيح والعبادة الحقة لله، تتحكم فيهم "لعنة العجل الذهبي"، التي تحن إليها نفوس البشر طالما حادوا عن عبادة الله الحق، بطبيعة وثنية لا تلبث أن تسود الأفراد  كلما انغمسوا في جهلهم وجسدانيتهم، وكلما تحكم هذا الجهل والجسدانية في أرواحهم يحجزان وراءهما الله الحقيقي بحجاب صفيق.

وعلي ذلك .. بصلابة شديدة .. لم يسمح البابا كيرلس الرابع عندما شيد الكاتدرائية الجديدة بنقل الأيقونات اليها، بل جمعها كلها، وكومها على بعضها البعض، وأشعل فيها النيران، فحرقها في احتفال كبير أمام جمع عظيم من الناس، ووقف وسط الجمع المحتشد من رعيته يخطب فيهم،  مبيناً سبب الحريق، ولما انتهى من خطابه  أشار بيده إلى كومة الرماد وقال :  «انظروا هذه الصور الخشبية التي تعودتم احترامها لدرجة العبادة،  ها قد صارت رماداً لا تنفعكم ولا تضركم .. لأن الله وحده هو الذي يستحق العبادة والسجود».

[  جرجس فيلوثاؤس عوض :  كتاب "كيرلس الرابع أبو الإصلاح القبطي"، صفحة رقم 217  ].

هذا التعليم العظيم هو الآن مهمة ملحة لمجمع الأساقفة، الذين يستطيعون أن ينشروه لمحاربة الجهل وإذكاء الوعي بين الأقباط في كل مكان، ليعرفوا أن الأيقونات أولا هي فن قبطي تتجلي فيه الروح القبطية، وينعكس فيه التراث الروحي المصري الجدير بالتكريم، لكن الجهل الذي يسوق القبط إلي معاملة الأيقونات معاملة العبادة يجب محاربته واقتلاعه، ويجب أن ينتهي.