بقلم الأب يسطس الأورشليمى
لم يُسجل لنا الرُوح القُدس حياة الرّب وقيامته في إنجيل واحد، بل في أربعة أناجيل، لأن إنجيل واحد لا يكفي ليُقدم صُورة كاملة عن حياة مُخلصنا الصالح وهُو على أرضنا، فكُل إنجيل يُقدم الرّب من زاُوية خاصة ليُبرز جانباً من هذه الجُوانب الأربعة، والتي تُحدثنا الألُوان:

الأسمانجُوني، الإله قد تجسد في اتضاع ليقترب إلينا..
الأرجُوان، الملك الذي يملُك على قلُوبنا وحيـاتنا كُلها..
القرمز، اتخذ صُورة العبد ليتألم ويُقدم نفسه ذبيحة لأجلنا..
الكتان، فالرّب هُو الإنسان الكامل الذي لا يُوجد له نظير..
هل تعلم أن هذه الجُوانب الأربعة أشارت لها، الأربعة أوجه التي 
كانت لكُل كرُوب من الكارُوبيم الذين رآهُم حزقيال في رُؤياه؟!

  لقد رأى لكُل كرُوب وجه إنسان يُحدثنا عن إنسانية الرّب، أما وجه الأسد يتحدث عن الرّب الملك، هُوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهُوذا، وُوجه الثُور يرمز إلى الرّب الخادم المذبُوح من أجلنا، وهُو من الحيُوانات التي تُقدم منها الذبائح، ويُعرف عنه بالتحمل والقُوة والمُثابرة، وُوجه النسر الذي يُحلق عالياً يتحدث عن ألوهية الرّب يسُوع..

ففي إنجيل متى سنتقابل مع الرّب الملك الذي أتى لكي يملُك، وفي إنجيل مرقس سنراه الخادم الذي جاء ليخدم ويتألم من أجلنا، في إنجيل لُوقا ابن الإنسان الذي يُشارك البشر آلامهُم، ويتحنّن عليهُم أما إنجيل يُوحنا فيظهر لاهوته، ابن الله الذي أتى ليهبنا الحياة الأبدية.. 

وهكذا تظهره الأناجيل أنه: الملك الخادم، والإله الإنسان..

إنجيل متى ينتهي بقيامة الرّب يسُوع، ولم يُسجل صعُوده، بينما في إنجيل مرقس ينتهي بصعوده وجلُوسه عن يمين الآب، وفي إنجيل لوقا ينتهي بالرّب الذي صعد مباشرةً بعد أن وعد تلاميذه بإرساله الرُوح القُدس لهُم من الأعالي، وفي نهاية إنجيل يُوحنا نرى الرّب سائراً مع بُطرُس ويُوحنا تلميذيه يتبعانه، بعد أن أشار لهُم أنه سيأتي ثانية إلى الأرضِ.. 

راجع الكتاب (مر19:16؛ لو49:24؛ يو22:21)..

فإنجيل متى ينتهي بقيامة الرّب، أما إنجيل مرقس فيُواصل الحديث إلى صعُوده، وإنجيل لُوقا يذهب إلى أبعد من هذا، فيُشير إلى مجيئه الثاني، فتأمل في التدّرج، وكيف تنسجم نهاية كُل إنجيل وتتناغم وتتوافق بحيثُ تُكمل بعضها البعض مع الجانب الذي يُريد أن يبرزه..

يبرز لنا الرُوح القُدس في إنجيل متى، لُون الأرجُوان وُوجه الأسد، ويُرينا الرّب يسُوع باعتباره الملك، فيقُول: كتاب ميلاد يسُوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم، أي إنه من نسل داود الملك، فهُو الُوريث الشرعي لعرش داود، إنه الملك المسّيا المُنتظر، والمجُوس يسألُون عنه: أين هُو المُولُود ملك اليهُود، وفي نهاية الإنجيل يقُول: دُفع إليّ كُل سُلطان في السماء وعلى الأرض، راجع الكتاب (مت6:1؛ 2:2؛ 18:28-20)..

لُون الأرجُوان اللُون الملُوكي ظاهر بقُوة في هذا الإنجيل، حيثُ ترد فيه كلمة: ملكُوت أكثر من خمسين مرة، وملكُوت السموات نحُو اثنين وثلاثين مرة، بينما لا تأتي ذكرها في الأناجيل الثلاثة الأخرى، وواضح هنا سُلطانه السباعي على المرض والشياطين، والطبيعة، والمُوت.. 

وفي إنجيل مرقس، يظهر فيه بُوضُوح لُون القرمز الدم، كما أن صُورة الثُور الرمزية في خدمته وذبحه ظاهرة هُنا بكُل وضُوح، فيظهر باعتباره الخادم الذي أطاع حتى المُوت مُوت الصليب، ولا نقرأ عن قصة ميلاده الجسدي، وهُو لا يُعلّم كثيراً بل يعمل أكثر، عمل كُل شيءٍ حسناً حتى جعل الصُمّ يسمعُون، والخُرس يتكلّمُون (مر37:7)..

وفي إنجيل لُوقا، نرى فيه لُون الكتان الأبيض الفاخر، ويبرز لنا جمال إنسانيته، الذي هُو أبرع جمالاً من بني البشر، ويرمز له بُوجه إنسان فيُقدم لنا ابن الإنسان الذي أقترب للإنسان ليصادقه وليهبه الخلاص مجاناً، تأمله وهُو يُقابل: المرأة الخاطئة، ويدخل بيت زكا العشار، وقصة السامري الصالح، والابن الضال (لو37:7؛ 30:10؛ 11:15).. 

في إنجيل يُوحنا نرى بوضُوح اللُون الأسمانجُوني السماوي ومنظر النسر المُحلق عالياً ظاهراً، فنرى لاهوت الرّب يسُوع أقنوم الابن الأزلي، والأحداث والأقُوال التي سجلها الرُوح القُدس تُعلن مجده، فهُو الخُبز النازل من السماء، والقيامة والحياة الذي يُعطي الخاطيء الحياة الأبدية، وفي صلبه نرى مجده الإلهي مُعلناً بقُوة، عندما قال الرّب لرُؤساء الكهنة: 

إنيّ أنا هُو، رجعُوا إلى الوراء وسقطُوا على الأرضِ.. 
في إنجيل متى يتميز بكلمة: لكي يتم، وقد تكرّرت 17 مرة..
وفي إنجيل مرقص تميز بكلمة: للُوقت، وتكرّرت 40 مرة..
وفي إنجيل لُوقا تميز بكلمة: قيل، وقد تكرّرت 32 مرة..
وفي إنجيل يُوحنا تميز بكلمة: الحقّ، تكرّرت 25 مرة..

كُل هذا يتفق مع الزاُوية التي يبرز منها كُل إنجيل حياة الرّب يسُوع على الأرضِ، فهُو الرّب الملك المسّيا الذي تتحقق فيه كُل النبُوات التي أشارت إلى مجيئه، وهُو الخادم الذي يفتدي الُوقت، والإنسان صديق الخطاة الذي جعل نفسه جزءً من قصصهُم، والكلمة المُتجسد وعبارته: الحقّ الحقّ، تُشير إلى أن كلماته هي الإعلان الإلهي القاطع النهائي..

فاحرص أيها الأخ المحبُوب أن تقرأ باستمرار في الكتاب برُوح الصلاة والفهم، وثق أن الرُوح القُدس يتحدث إليك شخصياً من خلاله فتتقابل مع الرّب الملك الخادم، ابن الله وابن الإنسان الذي جاء لكي يطلب ويُخلّص ما قد هلك، وقال: مَن يُقبل إليّ لا أخرجه خارجاً..